منوعات

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - الساعة 12:44 م بتوقيت اليمن ،،،


لا تتعامل نهلة خليل مع الأغنية القديمة باعتبارها مادة محفوظة من زمن مضى، بل تحاول في مشروعها الجديد أن تمنحها مساحة مختلفة أمام جمهور اليوم. ومن هذه الفكرة تنطلق “ليالي الست”، الأمسية التي تستعيد فيها المطربة جانبًا من روح الطرب العربي عبر صيغة تجمع الغناء بالمشهد المسرحي.

ويحمل اختيار اسم “الست” دلالة واضحة على حضور أم كلثوم في خلفية المشروع، لكن الرهان هذه المرة لا يبدو قائمًا على استعادة صوت غاب، بقدر ما يتجه إلى اختبار قدرة ذلك التراث على الوصول إلى جمهور جديد من خلال أداء معاصر يحافظ في الوقت نفسه على خصوصية الأعمال القديمة.

وتظهر أهمية التجربة في طبيعة القالب الذي اختارته خليل، إذ يقدم الحفل بوصفه مونودراما غنائية، وهو ما يفتح مساحة أكبر للتعبير من مجرد الوقوف أمام فرقة موسيقية وتقديم مجموعة من الأغنيات. فالمسرح هنا يصبح جزءًا من الحكاية، فيما يتولى الغناء مهمة استحضار زمن كامل ارتبط بأسماء وألحان ما زالت حاضرة في الذاكرة.

وتقف خليل أمام اختبار فني مختلف، لأن الاقتراب من تراث أم كلثوم لا يعتمد على قوة الصوت وحدها، وإنما يحتاج إلى فهم لطبيعة الجملة الموسيقية والإحساس بالكلمة والقدرة على بناء حالة تدريجية مع الجمهور. ولهذا فإن قيمة الأمسية ستكون مرتبطة بكيفية تقديم الأغنيات أكثر من مجرد اختيارها.

وتأتي “ليالي الست” في وقت تتسع فيه المساحة المخصصة لإعادة اكتشاف الموسيقى العربية القديمة، سواء من خلال الحفلات أو العروض التي تحاول إعادة تقديم رموز تلك المرحلة بأشكال جديدة. وفي هذا السياق، تبدو تجربة نهلة خليل جزءًا من حركة فنية تحاول إبقاء التراث حاضرًا خارج إطار الذكريات.

ويشارك في الأمسية الفنانان محمد منصور وفارس، بينما يقود المايسترو محمد لطيف الفرقة الموسيقية، ليكتمل بذلك الجانب الموسيقي للمشروع الذي يعتمد على أكثر من صوت وأكثر من مساحة تعبيرية. وهذا التنوع يمنح الحفل فرصة للخروج من فكرة الأداء الفردي التقليدي.

ويستضيف مسرح الجمهورية العرض في الأول من أكتوبر، في موعد يضع “ليالي الست” أمام جمهور اعتاد على عروض دار الأوبرا التي تجمع بين الموسيقى العربية والبرامج التراثية. لكن طبيعة العرض نفسها تمنحه هوية مختلفة، بسبب الجمع بين الأداء الغنائي والبناء المونودرامي.

وتحاول خليل من خلال هذه التجربة التعامل مع التراث باعتباره مادة قابلة لإعادة القراءة، لا قطعة فنية يجب وضعها في إطار زمني مغلق. فالأغنية التي ولدت قبل عقود يمكن أن تستعيد حضورها عندما تجد مؤديًا قادرًا على نقل إحساسها إلى مستمع لم يعش زمنها الأصلي.

وهنا تحديدًا تكمن خصوصية “ليالي الست”: الانتقال من استعادة الماضي إلى إعادة تقديمه. فالهدف ليس أن يعيش الجمهور في زمن أم كلثوم لساعات، وإنما أن يكتشف لماذا بقيت تلك الأغنيات قادرة على عبور الأجيال رغم تغير الذائقة الموسيقية وتبدل أدوات الاستماع.

كما تمنح التجربة نهلة خليل مساحة لإبراز جانب آخر من حضورها الفني، بعيدًا عن الحفل الغنائي المعتاد. فالمونودراما تفرض على الفنان حضورًا متواصلًا وتفاعلًا أكبر مع خشبة المسرح، ما يجعل الأداء قائمًا على التعبير والحركة والإحساس بقدر اعتماده على الصوت.

ويأتي اختيار أعمال من تراث الموسيقى العربية ليضع الأمسية في مواجهة سؤال دائم حول علاقة الجمهور الجديد بالأغنية الكلاسيكية. وبينما تتغير أنماط الاستماع بسرعة، تبقى الحفلات التراثية إحدى الوسائل التي تسمح للأجيال الجديدة بالتعرف على أعمال لم تعد حاضرة بالقدر نفسه في المشهد الغنائي اليومي.

ومن المنتظر أن تبدأ الأمسية وسط أجواء تضع الموسيقى في مقدمة المشهد، مع حضور الجانب الدرامي الذي يشكل أحد العناصر الأساسية في صيغة العرض.

ولا تبدو “ليالي الست” مجرد موعد غنائي آخر ضمن برنامج الحفلات، بل محاولة لاختبار إمكانية منح التراث مساحة جديدة من الحياة. فالماضي الموسيقي لا يبقى حاضرًا بمجرد تكرار أغنياته، وإنما يحتاج في كل مرحلة إلى فنان يعيد تقديمه بطريقة تجعله مفهومًا وقريبًا من جمهور لم يعش زمنه.

وبين صوت نهلة خليل وألحان زمن مختلف، يراهن العرض على مساحة مشتركة بين الذاكرة والحاضر؛ مساحة لا تقوم على تقليد الماضي حرفيًا، وإنما على إعادة فتح الباب أمام أغنيات صنعت جزءًا من تاريخ الموسيقى العربية، ومنحها فرصة جديدة للوقوف أمام جمهور اليوم.