السبت - 26 سبتمبر 2026 - الساعة 12:14 م
• في فيلم "كركر" للممثل المصري محمد سعد "اللمبي"، ثمة مشهد لا ينساه من رآه .. راقصة كباريه .. زارها المحامي في منزلها ليلا وشاهد ليلة الأنس .. وأخبرها أن تحضر صباحا للمحكمة لكنه تفاجأ بامرأة محتشمة الثياب، مرتدية حجاباً، وقد استعارت من الجدّية ما يكفي لتقنع القاضي أنها "امرأة شريفة" .. تتحدث بصوت خاشع، وتدعي المظلومية، فيما كان المحامي ينظر لها ببلاهة وبدهشة غير مصدق أنها تلك المرأة الراقصة التي زارها ليلة الأمس.
• أتذكّر هذا المشهد كلما فتحت حلقة بودكاست جديدة، وظهر فيها مسؤول أو قائد سياسي عاش الليل السياسي كاملاً — بفساده وصفقاته وصمته المحسوب — ثم يخرج علينا خلف أضواء البودكاست لابسا ثياب "الحكمة" وبابتسامة طفولية ليروي للجمهور قصته البريئة وكم كان يحذر ويرفض ويمتنع عن كل فعل شائن حدث في مرحلة سابقة وأن يداه نظيفتان من كل ما جرى...
الفارق الوحيد بين المشهدين أن راقصة "كركر" كانت تعرف أنها تمثّل، وتعرف أن الجميع يعرف، فبقي المشهد مضحكا للجمهور .. أما شهودنا هؤلاء، فيصرّون أن دورهم كان حقيقيا، وأن الحجاب لم يُخلع يوماً، وأن الكباريه لم يكن مسرحهم قط.
• كثيراً ما تلفت انتباهي هذه المقابلات، لعدد ممن كانوا قيادات في الدولة أو ما زالوا فيها، وكانوا جزءاً من مرحلة بعينها، يطلّون علينا بين فترة وأخرى خلف ميكروفون أنيق، بإضاءة محسوبة بعناية، وصوت هادئ لا تشوبه شائبة الذنب. يتحدثون عن "المرحلة" وكأنهم كانوا يراقبونها من نافذة بعيدة، يقدّمون روايتها ببراءة من لم يكن من شخصيات تلك المرحلة..، بكل تفاصيلها وخذلاناتها وسوئها ..
صحيح أنهم عاشوا في الكثير من أحداثها .. لكنهم مقتنعون حد الصفاقة بأنهم ليسوا شركاء في كل ما أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
• يعيد كثير من هؤلاء رسم المشهد بطريقتهم الخلّابة، بذاكرة حديدية تحضر فجأة، وبتقمّص أدوار النزاهة حدّ الدهشة. يسرد كل شيء إلا أدواره في تلك المرحلة. يحلّل ضياع الدولة، وانهيار الاقتصاد، وفشل الجيش، وكأنه كان من قيادات دولة أخرى في كوكب المريخ .. لا شأن له بقراراتها الكارثية وليس شريكا في أدواتها وفشلها ولا جزءا من كل أسباب ذلك الانهيار والضياع ..
يتنصّل أحدهم من دوره في وقوع الكارثة، ويزعم أنه رفض الانصياع ولم يُمرّر القرارات، بل يذهب بعضهم إلى حدّ القول إنه واجه واعترض على أوامر كبير القوم .. أما أكثرهم تواضعاً، فيكتفي بالقول إنه لم يصمت، و"حاول قدر استطاعته".
• على مسرح البودكاست .. فجأة .. يصبح الرجل خبيراً فذّاً في شؤون اليمن بمجرد خروجه من قيادته ومسؤوليته التي كانها .. وتستغرب كيف أصبح هذا المسؤول حكيما بعد تركه للمنصب .. أين تلك الحكمة حينما عجز عن حل أزمة خدمات مثلا حينما كان وزيرا .. والآن يتقن فجأة تشخيص الأزمة ويطرح حلولا مذهلة وتتساءل .. لماذا لم يشخصها يومها؟ لماذا لم يستقل احتجاجاً، أو يكتب مذكرة، أو يرفع صوته ولو مرة واحدة، بدل أن يكتشف الحقيقة كلها بعد "خراب مالطا"، في استوديو تصويري مريح، أمام محاور مبتسم لا يقاطعه .. ولا يحاجّه ولا حتى يجابهه بفشله.
• البعض من رواد البودكاست يدهشك حينما يتحدث عن الموتى من رفاق السلطة، عن كبار الراحلين .. زعيما كان أو قائدا عسكريا أو شيخا كبيرا أو نافذا في الدولة .. وكأنه كان القريب المقرب من رأس هرم القرار .. فجأة يصبح كل راحل منهم "الصديق الحميم"، و"الرفيق الذي كان يستشيرني في كل شيء"، و"الرجل الذي كنت أحذّره دائماً ولا يسمع". يتحدث عنهم بثقة من كان وحده معهم في الغرفة .. ولأن لا أحد من الراحلين يستطيع الرد أو النفي والتصحيح .. تجد المسؤول المتحدث في البودكاست يمنح نفسه حق التأليف والسرد والرواية ..
ونحن نستمع بامتنان وهو يشرح لنا "كيف جرت الأمور" ومتى حلت الكارثة .. وننسى أننا نستمع، لأحد ممثلي المسرحية، فلا أحد يفحص هذه الشهادات ولا يسأل عن الدليل .. ولا يقارن ما يقوله اليوم بما كان يقوله حين كانت السلطة لا تزال في يده.
• والحقيقة أن الشهادة على مرحلة عاشها المرء شريكاً فيها، ليست شهادة محايدة أبداً. هي دفاع مؤجل، ومرافعة متأخرة، ومحاولة لإعادة تشكيل الذات أمام جيل لم يعرف التفاصيل، ولا يملك وقتاً ليبحث عنها .. بينما الحقيقة أن من يشرح الآن هو غالباً جزء من السبب وشريك في القرار وأداته التنفيذية وليس شاهدا بريئا مثقلا بالنزاهة المزعومة ..
يمرر كل شيء ويحرف المشهد ويعيد كتابة المرحلة بطريقته .. والمذيع يبتسم بإعجاب دون أن يسأله حتى "وأنت .. ماذا فعلت يومها؟" .. وحينما تنتهي الحلقة نكتشف .. أننا استمعنا لرجل تحدث بكل شيء إلا الصدق.
• لست هنا لأطالب بالصمت .. الشهادات مهمة، وذاكرة المرحلة والسلطة تحتاج إلى من يرويها. لكنني أطالب بشيء أبسط: أن تُروى الشهادة مع اعتراف بالذنب ولو مرة ... أن يقول المسؤول السابق: "كنت هناك .. وكنت مسؤولاً .. وهذا ما قصّرت فيه"، بدل أن يقدّم نفسه دائماً أنه كان النزيه والحكيم الوحيد بين مجموعة من الفاسدين والعاقل وصاحب الرأي الفذ بين قيادات حمقاء ..
لا أريده أن يخلع ثوب السلطة ليلاً، ويرتدي ثوب "الناصح الأمين" نهاراً، اتمنى أن يتحدث بالحقيقة على كرسي البودكاست .. كما هي حين كان على كرسي المسؤولية .. لو فعل ذلك لاكتشفنا ببساطة .. أنه لم يكن يوماً على قدر الأمانة التي يُفترض أن يحملها.
فاليمن لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الشهود الأذكياء والنزهاء المتأخرين والحكماء بعد فوات الأوان .. تحتاج فقط إلى قليل من الشجاعة المتأخرة، حتى لو جاءت هي أيضاً .. في استوديو بودكاست.
#المصدر_اونلاين