منوعات

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - الساعة 12:42 م بتوقيت اليمن ،،،


أثار قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، موجة جدل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الإعلامية، بعد إيقاف برنامج "من القلب" الذي تقدمه المذيعة شيرين الأطروش على قناة الشمس، ومنع ظهورها على كافة الوسائل الإعلامية إلى حين انتهاء التحقيقات

وجاء القرار بناءً على توصيات لجنة الشكاوى برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وما رصدته الإدارة العامة للرصد من مخالفات للقواعد المهنية والأكواد الإعلامية في محتوى حلقات البرنامج.

رغم أن البيان الرسمي للمجلس ركز على "مخالفات مهنية" وخلط المادة الإعلامية بالإعلانية ضمن حملة أوسع شملت إيقاف برامج أخرى، إلا أن الجمهور ربط القرار بشكل مباشر بنبرة صوت المذيعة الهادئة والناعمة، التي أُطلق عليها وصف "الصوت الخريفي".
وانتشرت مقاطع مقتطعة من الحلقات على نطاق واسع، وانقسم المتابعون بين من رأى في الصوت تصنعاً لا يليق بالتقديم التلفزيوني، وبين من اعتبر الانتقادات تنمراً واضحاً على صفة شخصية طبيعية.

وبدأت القصة بتداول مقاطع فيديو من إحدى حلقات البرنامج، ركز فيها المتابعون على أسلوب الإلقاء ونبرة الصوت الهادئة. وصف كثيرون الصوت بأنه "خريفي" أو "شتوي"، في إشارة إلى نعومته وهدوءه الذي بدا لبعضهم مصطنعاً وغير مناسب لطبيعة الحوار التلفزيوني.

وتصدر هاشتاغ "الصوت الخريفي" الترند، وانتشرت تعليقات ساخرة ومقاطع معدلة، فيما حذفت قناة الشمس الفيديو محل الجدل من منصاتها الرسمية.

وردت شيرين الأطروش بمقطع فيديو عبر حساباتها على مواقع التواصل، أكدت فيه أن نبرة صوتها طبيعية وليست متصنعة، ورفضت ما وصفته بالتنمر عليها بسبب صوتها، مشددة على تمسكها بمسيرتها الإعلامية.

هذا الرد زاد من حدة النقاش، إذ اعتبره بعض المؤيدين دفاعاً مشروعاً عن الخصوصية الشخصية، بينما رآه المنتقدون محاولة للتهرب من معايير الأداء المهني.

وانقسم الجمهور بشكل حاد. فريق رأى أن الصوت الناعم قد يكون مقصوداً لجذب الانتباه أو تقليداً لأساليب تقديم معينة، وأنه يخل بالجدية المطلوبة في البرامج الاجتماعية. تعليقات ساخرة انتشرت على نطاق واسع، منها من يصف الصوت بأنه "يسبب وجع بطن" أو يربطه بنبرات غير لائقة.

في المقابل، دافع آخرون عن حق المذيعة في صوتها الطبيعي، معتبرين أن التركيز على الصوت بدلاً من المحتوى يعكس ثقافة تنمر مجتمعي، خاصة تجاه النساء في الإعلام.

وعلى منصة إكس، انتشرت تغريدات تعكس هذا الانقسام. أحد المستخدمين علق بسخرية على الصوت قائلاً إنه "لا صوت شتوي ولا صيفي"، في إشارة إلى الجدل الدائر. تغريدات أخرى نقلت الخبر الرسمي مع فيديوهات من الحلقات، بينما ركز البعض على أن القرار جزء من حملة أوسع لتنظيم الإعلام ومواجهة ظاهرة "بيع الهواء".

هذا الجدل ليس جديداً تماماً. سبق أن أوقفت قنوات مصرية مذيعات بسبب نبرة الصوت أو طريقة الأداء، كما حدث مع منى العمدة في 2023 على قناة النهار، حين وُصف صوتها بـ"غير اللائق" أو "الخادش للحياء"، ما أثار نقاشاً مشابهاً حول الحدود بين التقييم المهني والتنمر.

لكن حالة شيرين الأطروش جاءت في سياق حملة تنظيمية أوسع يقودها المجلس الأعلى، شملت برامج أخرى على قنوات مختلفة، ما يجعلها أكثر من مجرد رد فعل جماهيري

ويطرح القرار أسئلة جوهرية حول طبيعة العمل الإعلامي في مصر. من جهة، يؤكد المجلس أنه يطبق الأكواد المهنية التي تنظم الأداء والمحتوى، وأن الرصد شمل مخالفات تتجاوز الصوت إلى خلط الإعلان بالمادة التحريرية. ومن جهة أخرى، يرى منتقدون أن التركيز الجماهيري على الصوت حول القضية إلى نقاش شكلي، وأن منع الظهور الكامل قد يكون عقاباً مفرطاً مقارنة بالمخالفات المزعومة.

وفي الإعلام التلفزيوني، يُعتبر الصوت أداة أساسية. النبرة الهادئة قد تكون ميزة في برامج الإرشاد الأسري، كما قد تكون عائقاً إذا بدت مصطنعة أو غير مقنعة. لكن تحويل ذلك إلى سبب رئيسي للجدل والإيقاف يثير مخاوف من تضييق المساحة على التنوع في أساليب التقديم.

النساء في الإعلام المصري يتعرضن غالباً لانتقادات مزدوجة تتعلق بالمظهر والصوت والملابس، أكثر من نظرائهن الرجال، وهو ما يعكس تحيزات مجتمعية أعمق.

كما أن توقيت القرار ضمن حملة أوسع ضد "بيع الهواء" يشير إلى محاولة ضبط السوق الإعلامي، حيث تنتشر برامج تعتمد على الإعلانات المدمجة بشكل مفرط. لكن ربط الجمهور الأمر بالصوت جعل الرسالة الرسمية أقل وضوحاً، وحوّل النقاش إلى جدل ثقافي حول "ما هو الصوت اللائق".

ويأتي هذا الحدث في سياق يتسم بتشديد الرقابة التنظيمية على الفضائيات الخاصة. المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يستخدم صلاحياته بموجب قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 لإيقاف البرامج ومنع الظهور، وهو أداة قوية تؤثر مباشرة على فرص العمل.

وبالنسبة لمذيعات مثل شيرين الأطروش، اللواتي انتقلن من مجالات أخرى إلى الإعلام، يمثل مثل هذا القرار انتكاسة كبيرة بعد بدايات محدودة.

من جهة أخرى، يسلط الضوء على قوة منصات التواصل في تشكيل الرأي العام وفرض أجندات على الجهات الرسمية. فمقاطع قصيرة منتزعة من سياقها قادرة على إشعال ترندات تؤثر على قرارات مؤسسية.
ويفرض هذا الواقع على الإعلاميين حذراً مضاعفاً في أسلوبهم، حتى في التفاصيل الدقيقة مثل نبرة الصوت.