أخبار وتقارير

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - الساعة 12:36 م بتوقيت اليمن ،،،


تتحرك الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على مسارين متوازيين يصعب فصلهما عن مستقبل الحرب مع إيران: تعزيز عسكري متواصل من جهة، وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً من جهة أخرى. ومع دخول المواجهة شهرها الثامن، تبدو طهران أمام اختبار أكثر صعوبة، في وقت تحاول فيه واشنطن تحسين شروط أي اتفاق محتمل من خلال إبقاء القوة العسكرية حاضرة في المنطقة.

وأحدث مؤشرات هذا المسار إعلان تحرك حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس ثيودور روزفلت» من سان دييغو باتجاه انتشار متوقع في منطقة القيادة المركزية الأميركية. وأفادت «يو إس إن آي نيوز» بأن الحاملة ستتحرك مع جناحها الجوي، لتحل محل حاملة أخرى في المنطقة، في وقت تحتفظ فيه البحرية الأميركية منذ بداية الحرب بوجود كبير يضم حاملات طائرات وسفناً حربية ومجموعة برمائية.

ولا يقتصر التعزيز على البحر. فقد تحدثت «إير أند سبيس فورسز» في وقت سابق من سبتمبر عن تدوير أسراب مقاتلات أميركية جديدة إلى الشرق الأوسط، بينها طائرات F-35، ضمن حملة الضغط على إيران، مع توقع استمرار عمليات التدوير خلال الأسابيع التالية. ويشير ذلك إلى أن واشنطن لا تتعامل مع الوجود العسكري في المنطقة باعتباره انتشاراً قصير الأجل، وإنما كقدرة يجري الحفاظ عليها وتجديدها مع استمرار الأزمة.

وتكتسب طائرات التزود بالوقود أهمية خاصة في هذه المعادلة، لأنها تمنح المقاتلات قدرة أكبر على البقاء في الأجواء وتنفيذ عمليات بعيدة المدى. وكانت تحركات طائرات التزود بالوقود قد شكلت منذ بداية الأزمة جزءاً من الحشد الأميركي، إلى جانب المقاتلات والطائرات الاستطلاعية والدعم اللوجستي.

لكن تعزيز القوة لا يعني بالضرورة أن واشنطن قررت الانتقال إلى جولة عسكرية جديدة. فالرئيس دونالد ترامب قال إنه يتوقع استئناف المحادثات مع إيران خلال هذا الأسبوع، رغم رفضه مقترحاً إيرانياً لإنهاء الحرب. وبحسب «أكسيوس»، لا تزال قطر ووسطاء إقليميون يعملون على إعادة إطلاق المفاوضات، فيما تتركز الفجوة الأساسية بين الطرفين على طبيعة الاتفاق وشروطه.

وتبدو أزمة مضيق هرمز في قلب هذه المفاوضات. فقد عرضت إيران خطة تقوم على وقف الأعمال القتالية وإعادة فتح المضيق تدريجياً، فيما تريد واشنطن ربط أي تسوية بمطالب أوسع، بينها تنازلات إيرانية في الملف النووي. وتقول طهران إن بإمكانها إعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية.

وهكذا تتحول حركة السفن في هرمز إلى مؤشر على مسار الحرب والتفاوض معاً. فالمضيق ليس مجرد قضية إيرانية-أميركية، بل شريان رئيسي لتجارة الطاقة العالمية، وأي اتفاق يسمح بعودة الملاحة بصورة مستقرة يمكن أن يخفف جزءاً من الضغوط الاقتصادية التي خلفتها الحرب. وفي المقابل، فإن استمرار تعطيل الملاحة يمنح واشنطن ورقة ضغط على طهران، لكنه يرفع أيضاً كلفة المواجهة على الأسواق والدول المستوردة للطاقة.

بالنسبة إلى إيران، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً. فطهران تقول إنها مستعدة لاستئناف الدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه تحذر من استئناف العمليات العسكرية. وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن بلاده مستعدة للحرب وكذلك للدبلوماسية، وإن القرار في النهاية يعود إلى ترامب.

أما واشنطن، فتبدو وكأنها تريد الجمع بين المسارين: الضغط العسكري لمنع إيران من افتراض أن استمرار الحرب سيؤدي تلقائياً إلى تنازلات أميركية، والتفاوض لتجنب كلفة جولة جديدة قد تكون أكبر من سابقاتها. وهذا ما يفسر استمرار الحشد العسكري حتى في ظل الحديث عن محادثات مرتقبة.

وتشير قراءة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن حجم القوات الأميركية في المنطقة يمكن أن يوفر قدرة كبيرة على تنفيذ ضربات وحماية الحلفاء، لكنه لا يعني تلقائياً الاستعداد لحرب برية أو لحملة جوية طويلة من دون تعزيزات لوجستية إضافية. وتلفت الدراسة إلى أهمية التفريق بين الحشد القادر على تنفيذ ضربات محددة وبين بناء القوة اللازمة لحرب ممتدة.

وهذه النقطة مهمة في قراءة التطورات الحالية. فإرسال مقاتلات أو حاملة طائرات لا يعني وحده أن قرار الحرب قد اتخذ، كما أن استمرار المفاوضات لا يعني أن خطر التصعيد تراجع نهائياً. وإنما تكشف التطورات عن محاولة أميركية لإبقاء الخيارين متاحين في الوقت نفسه.

وتواجه إيران بدورها معادلة مشابهة. فإعادة فتح هرمز يمكن أن توفر مخرجاً تفاوضياً وتخفف الضغوط الاقتصادية، لكنها تتطلب تفاهمات مع واشنطن حول شروط أوسع من الملاحة. وفي المقابل، فإن استمرار المواجهة قد يسمح لطهران باستخدام أوراقها الإقليمية والملاحية، لكنه يحمل مخاطر تصعيد إضافي واستهداف البنية التحتية للطاقة والملاحة.

لذلك، لا يبدو السؤال المطروح حالياً ما إذا كانت واشنطن تريد الحرب أو السلام بصورة منفصلة، وإنما إلى أي مدى يمكن أن تستخدم القوة العسكرية لتحسين شروط التسوية قبل أن تصبح هذه القوة نفسها عاملاً يدفع نحو جولة جديدة من القتال؟

ومع استمرار وصول التعزيزات إلى المنطقة، وفي الوقت نفسه استمرار الوسطاء في البحث عن اتفاق، يبقى مضيق هرمز الاختبار الأوضح. فإذا نجحت المفاوضات، يمكن أن تتحول التعزيزات الأميركية إلى أداة ضغط تفاوضية أكثر منها مقدمة لحرب جديدة. أما إذا انهارت الاتصالات، فقد يصبح الانتشار العسكري القائم أساساً لمرحلة جديدة من التصعيد.