مجتمع مدني

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - الساعة 12:47 م بتوقيت اليمن ،،،

علي احمد بانافع


وإذا توجهنا الى خلفية لسوق البلدية، نجد ساحة لا باس بها، مخصصة لوقوف سيارات اللحوم والاسماك، ويتم فيها ايضاً تنزيل الأسماك واللحوم الى سوق اللحوم والاسماك عبر البوابة الخلفية.

وهناك العم "سلطان"؛ ذلك الرجل الطاعن في السن، والذي جار عليه الزمن كمار على مدينته عدن، حيث تراه يملك بعض السياكل البيدل (الدراجات الهوائية) المتهالكة والقديمة، التي يقتات عليها ويوفر لأسرته قوت يومهم من العائد الذي لا يذكر، وهي قديمة ولم يجد لها قطع الغيار لإصلاحها، فتراه يقوم بحشو تايراتها الورق بدلا من "التوب" الذي بداخل التاير، وقد استغل هذه المساحة رحمه الله، وجعل منها مكان للعب الأطفال من يستأجرون منه تلك السياكل، لكي لا يتعرضوا الى مخاطر حوادث السارات خارجها، وكذلك استغلها لمن أراد ان يتعلم سواقة السياكل، وانا واولاد اخوي محمد منهم؛ حيث جئنا اليه بعد ان طردنا "عليان" شر طرده، وهو اشهر من يؤجر السياكل الممتازة في كريتر، وذلك عندما اتينا اليه لاستئجار سياكل ولكننا لم نكن نعرف سواقتها، فطردنا وهو يقول لنا (رحوا تعلموا عادكم L))، أي لا تجيدون سواقتها، وهذا مصطلح يستخدم لمن يتعلم قيادة السيارة، حيث تعلق على الزجاج الخلفي والامامي لوحة بيضاء مكتوب عليها ذلك الحرف، لتنبيه الساقين من اجل عدم مضايقته والحذر من أخطاءه، ساعتها صدمنا بذلك إقرار المتعسف، واستعدنا فلوسنا، ولكنه اخذ بخواطرنا المكسورة، ودلنا على العم سلطان لنتعلم عنده ثم نعود اليه.

الجمّالَة:
ومن التمازج في عدن بين الحداثة، والحياة التقليدية، نجد هناك على يسار سوق البلدية، وقبل طلعة الشّوكي (قسم الشرطة) الجمالة، وهذا المصطلح يطلق عليهم لاستخدامهم الجمال، وهي أداة نقل تقليدية لم تندثر مع الحياة العصرية التي عاشتها عدن في تلك الفترة، بل عملوا جنبا الى جنب مع السيارات، والتي أصبحت منافسة لهم، الا ان البعض يحبذ الجمالة لرخص اجرتهم، وهؤلاء الجمالة لديهم مجموعة من الجمال، تجر عربات صنعت من الخشب، وتسير على العجلات التي تستخدمها السيارات المتوسطة الحجم، واصبح هذا المكان مركز تجمعهم فيه، حيث تشم رائحة الجمال من سافة لا باس بها لتستدل على مكانهم، ان كنت تريد احداها ليقضي لك امر ما، دون الحاجة الى GBS، واكثر ما ينقلونها على عرباتهم، الاسمنت والرمل والقصب وحتى البضائع.

الشوكي مبنى الشرطة:
والشوكي مصطلح تم اخذه عن اللغة "الاوردية"، وذلك لوجود الهنود في عدن بكثرة، في فترة بداية المدنية التي عاشتها عند دخول الانجليز اليها وجلب الهنود معهم، ما جعل الاسم عند استخدامهم له، ان يصبح الاسم المشاع بين الناس في عدن في فترة ما قبل الاستقلال؛ بل استمر الى تقريبا منتصف سبعينيات القرن الماضي.

وإذا جرتك الاقد الى حاجة في الشوكي، فما عليك الا تمشي في ذلك الطريق الذي يبدأ من عند الجمال، حيث تطلع في طلعة تؤدي بك الى مبنى جميل، اتخذ من قمة تلك الهضبة مكان، ليكون حارس للمدينة وأهلها، الا انه المبنى في الأصل قد كان مستشفى عدن الأهلي، وهو اول مستشفى بني في كريتر في العام 1843م (Aden Civil Hospital) ، وبعد بناء مستشفى الملكة في خور مكسر في العام 1954م، تم نقل الكوادر من هذا المستشفى اليه، وتم اغلاقه، وتحويله الى شوكي، وكان للشرطة دور مهم في ضبط الامن في المدينة، الى درجة انها كانت مأوى للأطفال التائهين، حيث مر اخي محمد رحمه الله بتلك التجربة، عندما فقد ابنه الصغير "عبد الرحمن"، ولم يقلق كثيرا، بل توجه الى مبنى الشوكي، ووجده عندهم، ينعم بأكل النعنع بأنواعه، ما انساه الخوف والبكا.

وانا لي تجربة مغايرة مع الشوكي، وهي انني كنت فتوة زماني، ما جعلني اتشرف بزيارة الشوكي، عندما خضت تجربته المضاربة مع أبناء جيراننا " الدناكلة" فقد شرفتهم في الشوكي لمدة أربع ساعات ونصف بالوفاء والتمام، بعد تسببت في إراقة دم ابنهم، ولم نخرج الا بعد ان تراضى عمي مع والدتهم، (بخشيش)، وتنازلت عن حقوق ابنها.

الحفيرة:
وهي تجاور الشوكي، ولكنها منخفضة عنه، وأطلق عليها الحفيرة، لأنه تم حفرها ما جعلها منخفضة، والحفيرة مكان يسكنه ما يطلق عليهم أيامنا (الأخدام) واليوم المهمشين، من يعملون في النظافة والعمل اليدوي، من ذوي البشرة السمراء، منهم من قدم من تهامة من أصول افريقية استوطنوا في عدن وأصبحوا جزء من أبنائها، وتتميز الحفيرة بالصنادق العشوائية (البيوت الخشبية)، وكانوا مجتمع واحد يتزاجون فيما بينهم البين، حيث تسمع المكبرات من صباح الخميس تصدح بصوت الفنان فيصل علوي من الحفيرة، وتستمر الى فجر السبت، عندما يكون لديهم زواج، وكانت تنشب بينهم بين الحين والأخر الخلافات، التي تؤدي الى العراك، ولا تفصل بينهم الا الشرطة، ومع قرب الشرطة منهم ربما هم اقل تجمع لهم تحصل فيه الخلافات، ومنهم في الخساف وهم الأكثر عددا والأكثر مشاكل، كما نراها عتد مرورنا بهم.

وهم مجتمع منغلق نوعا ما عن المجتمع، وذلك للخصوصية التي يعيشونها، والعادات الخاصة بهم، والتي تحول بينهم والانخراط الكلي مع المجتمع.

وانا أتذكر لي زميل في ثانوية كريتر من هذه الفئة، وقد كان من اشطر الطلبة في الفصل، وعند أنهينا الثالثة ثانوي، توجهنا الى التجنيد لأداء الخدمة ومن ثم الالتحاق بالجامعة، الا انه لم يلتحق بالتجنيد، حيث وجدته في شارع ابان يعمل في تنزيل البضائع من السيارات، وسألته لماذا لا تلتحق بالتجنيد ومن ثم تلتحق بالجامعة، قال لا يكفيني ما معي من الدراسة وأحب ان اعمل حمال، وبالفعل ظل على هذا الحال.

مستشفى الامراض الصدرية او السل او: TB
مستشفى التي بي او السل ويوجد على يمين الطريق المؤدي الى الصهاريج وهو مستشفى تخصص للأمراض الصدرية.

خليل محمد خليل:
وللفن في طرقنا نصيب، ونصيبنا منه مع المرحوم الفنان خليل محمد خليل، وهو اسم معروف في عدن وخارجها، وفنان كبير انتشرت سمعته الفنية على نطاق واسع، وله لونه الفني الخاص الذي تميز به، وبما ان عدن احتوت كل الاجناس والاعراق والأديان، فان الفنان كان من أصول مصرية استوطنت أسرته في عدن، وقد كان والده من مواليد عدن، حيث ولد في العام 1845م، وعمل في النجارة، اما ابنه خليل فقد كان من مواليد 1917م في عدن، وفي العام 1936 عمل في حضرموت، ثم في العام 1959م عمل مديرا لسجن في عدن، ثم في العام 1960م مديرا لشركة سالم علي عبده، ومن ثم عما في السفارة البريطانية في قسم المعاشات في العام 1968م، انتقل الى رحمة الله في العام 2009م.

وهو أيضا فنان كان له الأثر الكبير في اثراء الاغنية العدنية،
ومن أشهر اغانيه:
ومن أشهر المغنيين للأغنية العدنية التي جابت الافاق.
حرام عليك تقفل الشباك ... والقلب صاحبي يهواك
والعين تنظر وتتمناك ... حرام عليك تقفل الشباك
واغنية:
ها اهل الهوى قلبي انكوى ... بالجمر من نار الجوى
يا اهل الهوى يا اهل الهوى ... الطير عن روحى روى
والروض من دمعتي ارتوى... والعود من لحنى دوى.
واغنية الوردة الحمراء:
لمن تقابلني والوردة الحمراء.. دايما تشغلني على صدر سمراء
وردة وطيفها يا حلى إني بشوفها.. مش رح اتهنى الا لما اقطفها
دايما في بالي الوردة الحمراء
سبحان من سواك يا زين:
سبحان من سواك يا زين.. وصورك اية للعين
فين لك شبيه في الدنيا فين.. محد شبيهك يا فتان
سبحان من سواك سبحان
وأغاني أخرى كثيرة، تغنى بها بصوته الجميل، حيث أطرب مستمعيه وأمتعهم.
ويعود السبق للفنان خليل محمد خليل في عدن، بأنه أول من اوجد صالة للأفراح للزواجات للنساء، حيث حول منزله في الطويلة الى قاعة افراح، يؤجرها على سكان عن عندما يقيمون افراحهم، حيث يجتمع فيها المدعوين، وعندما كنا نمر جوار منزله ترى تزاحم السيارات، والتي تحمل الكثير من النساء المدعوات، وكذلك تسمع الأغاني التي تغنى في المنزل من الشارع.

علي احمد بانافع