عرب وعالم

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 12:31 م بتوقيت اليمن ،،،


دخلت المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع إعلان القوات المسلحة التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تنفيذ ضربات ضد أهداف حوثية في صنعاء وصعدة، بالتزامن مع إفادة قناة «المسيرة» التابعة للحوثيين بأن السعودية شنت هجوماً على العاصمة.

ولم تؤكد الرياض، حتى الآن، بصورة مباشرة أن قواتها نفذت الضربات التي تحدث عنها الحوثيون، ما يجعل تفاصيل الهجوم ونطاق المشاركة السعودية غير محسومة. وفي المقابل، قال متحدث باسم القوات المسلحة اليمنية إن قواته تستهدف «أهدافاً حيوية» للحوثيين في صنعاء ومعقل الجماعة في صعدة، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف أو حجم الأضرار.

ويأتي التصعيد بعد أيام قليلة من كشف رويترز أن السعودية تدرس عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين، تشمل خيارات تتراوح بين هجوم محدود على مناطق الساحل قرب باب المندب وعملية أوسع تفتح جبهات متزامنة في محافظات يمنية عدة. وتقول المصادر إن القوات اليمنية التي تشرف عليها الرياض ستتولى الدور البري، فيما تقدم الولايات المتحدة دعماً استخبارياً، من دون مشاركة قتالية أميركية مباشرة في الوقت الحالي.

وتعكس التطورات الأخيرة حساسية المشهد العسكري والإعلامي في آن واحد. فقد نسبت «المسيرة» إلى السعودية تنفيذ ضربات على صنعاء، فيما تحدثت وسائل إعلام حوثية عن عشرات الغارات على العاصمة، لكن هذه المعلومات لم تترافق مع إعلان سعودي مماثل.

في المقابل، جاءت الرواية الرسمية من الجانب الحكومي اليمني مختلفة في الصياغة، إذ أكدت القوات المسلحة أنها تنفذ عمليات ضد الحوثيين في صنعاء وصعدة، وهو ما يثبت وجود ضربات على مناطق خاضعة للجماعة، لكنه لا يحسم الجهة التي نفذت كل ضربة أو طبيعة الدور السعودي فيها.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل وجود تعاون عسكري وأمني بين الرياض والحكومة اليمنية. ولذلك فإن وصف الضربات بأنها «سعودية» يحتاج إلى تأكيد رسمي، خصوصاً في ظل غياب بيان سعودي مباشر حتى الآن.

لكن التصعيد لا يأتي من فراغ. فقد شهدت الأيام الماضية تبادل اتهامات وهجمات بين الطرفين. وقال الحوثيون السبت إنهم استهدفوا منشأة تابعة لشركة أرامكو في الرياض بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، فيما شاهد صحفيون دخاناً ولهباً في محيط منشأة نفطية جنوب العاصمة السعودية. ولم يصدر تأكيد سعودي فوري للهجوم أو تفاصيل رسمية عن الأضرار.

ويشير تزامن الضربات مع إعلان القوات الحكومية عن عمليات في صنعاء وصعدة إلى اتساع نطاق المواجهة، بعدما كانت المعارك خلال الأيام السابقة تتركز بصورة أكبر في تعز ومناطق الساحل الغربي.

وكانت القوات الحكومية قد أعلنت الجمعة تنفيذ 20 غارة خلال ثلاث ساعات ضد تحركات وأفراد ومركبات ومعدات عسكرية حوثية في محافظة تعز. وأكدت مصادر عسكرية لرويترز أن القتال اتسع في المحافظة، فيما أغلقت السلطات عدداً من الطرق المؤدية إليها باعتبارها مناطق عمليات عسكرية.

وتحمل تعز أهمية ميدانية بسبب موقعها بين شمال اليمن والساحل الغربي والجنوب، ولذلك فإن تصاعد القتال فيها يتقاطع مع المعركة الأوسع حول طرق الإمداد والساحل والاقتراب من عدن.

لكن الانتقال إلى صنعاء وصعدة يضيف بعداً مختلفاً للمواجهة. فاستهداف العاصمة، إذا تأكد نطاقه، يعني أن العمليات لم تعد محصورة في خطوط التماس، بينما تمثل صعدة المعقل الرئيسي للحوثيين ومركزاً مهماً لشبكاتهم العسكرية والسياسية.

وتبقى السيطرة على الساحل وباب المندب العامل الأبرز في الحسابات السعودية الجديدة. فقد كشفت رويترز أن الرياض تخطط لعملية ضد الحوثيين بهدف كسر سيطرتهم على مناطق من الساحل المطل على البحر الأحمر، مع بحث خيار هجوم محدود حول المضيق أو عملية متعددة الجبهات.

وتتجاوز أهمية باب المندب الحسابات اليمنية والسعودية، إذ يمثل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ومع إغلاق مضيق هرمز فعلياً بسبب الحرب مع إيران، ازدادت أهمية المسار البحري عبر البحر الأحمر بالنسبة إلى حركة الطاقة والتجارة الدولية.

ومن هذه الزاوية، يصبح التصعيد في اليمن مرتبطاً مباشرة بأمن الملاحة الإقليمية. فأي تغيير في السيطرة على الساحل أو قدرة الحوثيين على تهديد السفن يمكن أن ينعكس على خطوط التجارة والطاقة، في وقت تشهد فيه المنطقة اضطراباً واسعاً.

وتشير المعطيات الأميركية إلى أن واشنطن تدعم السعودية في هذه المرحلة من دون الانخراط المباشر في العمليات القتالية. وبحسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم «أكسيوس»، تقدم الولايات المتحدة معلومات استخبارية وبيانات استهداف، بينما رفضت حتى الآن المشاركة المباشرة في الغارات.

وهذا الموقف يضع التصعيد اليمني في سياق أوسع للحرب الإقليمية. فالولايات المتحدة تحاول دعم أمن السعودية وحماية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة في فتح جبهة عسكرية أميركية جديدة داخل اليمن.

وتزداد حساسية هذا الخيار مع تدهور الوضع الإنساني. فقد حذر برنامج الأغذية العالمي من أن تصاعد القتال أدى خلال أسابيع إلى نزوح عشرات الآلاف وتعطل الإمدادات، وأن 74 في المئة من الأسر في المناطق الحكومية التي يمكن للبرنامج الوصول إليها تواجه حالياً انعداماً في الأمن الغذائي.

ويضع التصعيد الحالي السعودية والحوثيين أمام مرحلة أكثر تعقيداً. فإذا اقتصرت الضربات على عمليات محدودة للرد على الهجمات المتبادلة، فقد تبقى ضمن إطار التصعيد المحسوب. أما إذا اتسعت لتشمل صنعاء وصعدة وتعز والساحل، فإنها قد تكون مؤشراً إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة ترتبط مباشرة بالخطة السعودية التي كشفت عنها رويترز.

وفي هذه المرحلة، تظل طبيعة الضربات على صنعاء غير مكتملة التفاصيل. الحوثيون ينسبونها إلى السعودية، والقوات الحكومية اليمنية تؤكد تنفيذ ضربات ضد الحوثيين، فيما لم تتبن الرياض الهجوم بصورة مباشرة. لكن المؤكد أن مستوى القتال ارتفع، وأن المواجهة لم تعد تدور فقط حول جبهات يمنية داخلية، بل باتت مرتبطة أيضاً بالصراع على باب المندب وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

ومع استمرار تبادل الضربات، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كان التصعيد الحالي سيظل في حدود عمليات عسكرية متبادلة، أم أنه سيكون مقدمة لهجوم أوسع تسعى الرياض من خلاله إلى تغيير المعادلة الميدانية حول باب المندب.