مجتمع مدني

السبت - 24 يناير 2026 - الساعة 12:10 م بتوقيت اليمن ،،،

حافظ الشجيفي


لغة الدم تهتف بما يعجز عنه اللسان، وحقيقة الروح تفيض في الساحات فتجعل من الجموع روحا واحدة تنتشر بين جوانح الوطن، كأنما التاريخ قد أذن لغيب الحق أن يتجسد عيانا في هذه السيول البشرية التي تدفقت يوم أمس في حضرموت وعدن، فلم تدع شبرا إلا وطهرته بقداسة الإرادة، ولا صوتا إلا وأخرسته بهيبة الجلال الشعبي الذي لا يغالب، حيث شهد الزمان حشودا لم يرى لجمعها نظيرا، أقبلت من كل فج عميق، تجمعها آصرة الألم وتحدوها بارقة الأمل، لتعلن في محفل الأرض والسماء أن الاستقلال ليس كلمة تتردد في ندوة، ولا سطرا يكتب في مسودة، بل هو نبض القلوب التي اشتاقت إلى كرامتها، وحق النفوس التي بذلت من أجل حريتها الغالي والنفيس، فإذا كان هذا حال الشعب،

وهذا هو مبلغه من الإجماع الذي كأنه وحي من ضمير الغيب، فبأي منطق يستقيم أن تنبعث من وراء الحدود دعوات ترددها السعودية واتباعها إلى حوار بين الجنوبيين، كأنما القوم لم يفهموا بعد أن الحوار إنما يكون في مواطن الريب لا في جلاء اليقين، وفي موارد الخلاف لا في موارد الإجماع الذي استوى على سوقه، فالحشود التي ملأت الآفاق وجعلت من الفضاء الجنوبي لوحة كبري من التلاحم قد اغنت الناس عن مؤنة الحوار، بل نفخت في روع الوجود أن الاستقلال صار فوق كل رأي، وأنه الغاية التي تتلاشى عندها كل الوسائل، فمتى كان الحق الصراح يحتاج إلى مناظرة، ومتى كانت الحرية الصادقة تفتقر إلى مائدة مستديرة يتقاسم الجالسون عليها ما هو ملك للشعب وحده بلا منازع.

فالنفس التي تذوقت طعم التضحية، ورأت دماء أبنائها تسيل أنهارا لترسم خارطة الوطن المستقل، تأبى أن ترى ثوابتها الوطنية وقد صارت مادة لنقاش عقيم، فالثوابت الوطنية في حياة الشعوب بمثابة الروح من الجسد، لا تمس ولا تقبل التجزئة، ولا تخضع للحوارات ولا يجوز أن توضع في كفة ميزان مع أهواء السياسة أو تقلبات المصالح، فمن تجرأ على طرح الاستقلال كوجهة نظر تحتمل القبول أو الرد، فقد أعلن انسلاخه من جلد أمته، وخرج من حضن شعبه ليرتمي في أحضان الغفلة أو العمالة، إذ أن المواطن الذي يقف في وجه ملايين لا ترى إلا الاستقلال سبيلا انما هو مواطن حكم على نفسه بالنفي المعنوي،

فالمواطنة الحقة هي الذوبان في الإرادة الكلية لا الشذوذ عنها بآراء تدعي الحكمة وهي محض خبال، فالشعب لا يحاور في أصله، ولا يساوم على فصله، وهو حين يجمع على هدف كلي كهذا، فإنه يصيغ شرعية هي فوق كل القوانين الوضعية، بل هي القانون الذي تستمد منه كل القوى مشروعيتها، فإذا كان الاستقلال حقا شرعيا تقره الشرائع السماوية والسنن الكونية، فكيف به وقد تعزز بهذا الإعصار الجماهيري الذي جعل من كل جنوبي صوتا في جوقة الحرية الكبرى، فالحق إذا استند إلى القوة الشعبية صار قدرا لا يرد، وصار المساس به ضربا من الانتحار السياسي الذي لا يقدم عليه إلا جاهل بطبائع البشر، أو فاسد يبيع آخرة وطنه بدنيا غيره، أو عميل أرخص كرامته في سوق النخاسة السياسية.

وما هذه الدعوات للحوار إلا محاولة لذر الرماد في العيون، وتعمية للحقائق التي صارت كالشمس في وضوحها، فالحوار يكون حين تتعدد الغايات وتفترق السبل، أما والغاية واحدة والسبيل واحد، فإن الدعوة إليه تصبح نوعا من العبث الذي يستهدف تفتيت الصلابة الوطنية، وإيهام العالم بأن هناك شقوقا في الجدار الجنوبي، بينما الواقع ينطق بأن الجدار مرصوص بقلوب الرجال وعزائم الأبطال، فلا صوت يعلو على صوت الشعوب حين تقرر، ولا إرادة تسبق إرادة أمة صممت على انتزاع حقها من بين أنياب المستحيل،

فالميادين التي ضجت بالهتاف لم تترك مجالا للشك، والرايات التي خفقت في سماء حضرموت وعدن كانت توقع عقد الاستقلال النهائي بأحبار من نور ونار، فكل من يحاول الالتفاف على هذا الإجماع بكلمات منمقة عن الحوار أو التوافق إنما هو كمن يحاول حجب نور الشمس بكف واهية، فالحقيقة المرة التي يجب أن يفهمها كل ذو شأن أن الجنوب قد تجاوز مرحلة الأقوال إلى الأفعال، وأنه لم يعد يرى في غير الاستقلال الكامل أرضا وانسانا إلا تضييعا للوقت وخيانة للعهد، فالإجماع الشعبي المهول قد أسقط كل الأقنعة، وأبان عن وجه الوطنية الصادقة التي لا تتبدل بتبدل الظروف، ليبقى الاستقلال هو العقيدة السياسية التي لا تقبل النسخ، وهو المحراب الذي تجتمع فيه الأرواح، ليعلو بنيان الوطن على أساس متين من الوحدة التي لا تمزقها الدعوات، والصلابة التي لا تكسرها المؤامرات، والشرعية التي لا يملك منحها أو سلبها إلا هذا الشعب العظيم الذي قال كلمته ومضى لا يلوي على شيء إلا السيادة والكرامة.