كتابات وآراء


الخميس - 15 يناير 2026 - الساعة 02:27 ص

كُتب بواسطة : توفيق جوزليت - ارشيف الكاتب



لم يعد خافيًا على أحد أن الحديث السعودي عن “توحيد الصف الجنوبي” ليس سوى غطاء سياسي لسياسات تهدف إلى تفكيك الجنوب وإضعاف قضيته، لا حلّها. فالأفعال، حين تتكرر، تتحول إلى دلائل، وحين تتناقض مع الخطاب، تفضح النوايا.

لو كانت السعودية جادّة في سعيها لحل القضية الجنوبية، لما أبدت هذا الإصرار المستميت على فصل المحافظات الشرقية عن امتدادها الجنوبي الطبيعي، ولما تعاملت مع الجغرافيا الجنوبية وكأنها كتل قابلة للقصّ والتجزئة وفق حسابات إقليمية ضيقة. ما يجري ليس “إدارة تنوّع”، بل هندسة انقسام مقصودة تُفرغ الجنوب من قوته السياسية والجغرافية.

الأكثر فجاجة هو التعاطي مع المجلس الانتقالي الجنوبي. فبدل الاعتراف بحقيقة أنه نتاج حراك شعبي ويمثل قطاعًا واسعًا من الجنوبيين، تُطرح بين الحين والآخر سيناريوهات لتهميشه بعد حلّه بقرار من الرياض ، وكأن الإرادة الشعبية الجنوبية مجرّد تفصيل مزعج يجب تجاوزه. أي حديث عن حل القضية الجنوبية مع استهداف أبرز حامل سياسي لها هو حديث فارغ ومضلل.

محاولات فرض مكونات بديلة، أو إحياء قوى لفظها الشارع الجنوبي منذ سنوات، لا تعبّر عن حرص على التوافق، بل عن رغبة في إنتاج جنوب ضعيف، منقسم، بلا قرار مستقل، يسهل التحكم به وإدارته أمنيًا. وهذا بالضبط ما تريده الرياض: جنوب بلا صوت حقيقي، وبلا مشروع واضح، وبلا قدرة على فرض إرادته.

تتعامل السعودية مع الجنوب لا كقضية شعب له تاريخ وهوية وحق، بل كملف أمني وحدودي، تُدار تفاصيله وفق مصالحها، حتى لو تعارض ذلك مع تطلعات الجنوبيين وتضحياتهم. ومن هنا نفهم لماذا تُقدَّم “الاستقرار” كشعار، بينما يُمارس التفكيك على الأرض.

الحقيقة التي يجب قولها بوضوح:
من لا يحترم وحدة الجنوب السياسية والجغرافية، ولا يحترم إرادة شعبه، لا يملك الحق في الادّعاء بأنه يسعى لحل قضيته.

القضية الجنوبية أكبر من أن تُختزل في تفاهمات فوق الطاولة، وأعمق من أن تُدار بعقلية الوصاية. وأي حل يُفرض من الخارج، أو يُبنى على إقصاء الممثلين الحقيقيين للشعب الجنوبي، محكوم عليه بالفشل مهما طال الزمن.

قد تستطيع السعودية تعطيل الحل، أو إرباك المشهد، أو شراء الوقت، لكنها لن تستطيع تغيير حقيقة واحدة : الجنوب ليس ورقة تفاوض، ولا ساحة نفوذ، بل وطن لقضية حيّة، وشعب يعرف من يقف معه… ومن يعمل على تفتيته.

في المحصلة، تتحمّل السعودية كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن تبعات تدخلها في الجنوب، لأن من يختار التفكيك بدل الإنصاف، والوصاية بدل الشراكة، لا يزرع استقرارًا بل يؤسس لصراع مؤجّل. فالقضية الجنوبية لن تُطفأ بإعادة رسم الخرائط ولا بإقصاء الإرادة الشعبية، وأي دور يتجاهل هذه الحقيقة سيُسجَّل في ذاكرة الجنوب لا كوسيط، بل كطرفٍ ساهم في تعقيد الأزمة وتحمل نتائجها.