كتابات وآراء


الثلاثاء - 20 يناير 2026 - الساعة 11:14 م

كُتب بواسطة : أحمد عبداللاه - ارشيف الكاتب



كثيرون من نخب الشمال أطلقوا أمانيهم في الفضاء الحر: السعودية ستاتي لهم بعدن مدينةً مُصفّاة من التاريخ، خفيفة من الجراح، جاهزة للاستلام. ثم تعيد لهم صنعاء وتحول الحوثي إلى شريك ديمقراطي وديع. وبعدها، وبلا عناء، ستحسم كلّ الأمور دفعةً واحدة، ثم تحمل الجميع من الشتات إلى الموانئ اليمنية، ليُعيدوا دورة الحياة كما هتفوا لها في دوار الربيع العربي، أو بنسخة “مُحسّنة” منه.

هكذا يتخاطب البعض من خارج البلد عبر المنصّات، وهكذا تُطلق الرغبات كأنها بيانات تنفيذية، وليست أحلام مؤجّلة، وكأنهم يملون على الرياض ماذا ستفعل لتكسب رضاهم.

وليس هذا فحسب؛ فثمّة من يضع شروطه على اعتبار أن الملف اليمني امتحانٌ نهائي للمملكة: إمّا أن تكون بعده أو لا تكون. وكأنّ التاريخ يُدار بمنطق “الفرصة الأخيرة”، أو أن الجغرافيا تُطوى كطي السجل أو تُبسط كورقة عليها مرسوم قرار.

الطموح الذي انتعش– بعد ما أصاب المجلس الانتقالي الجنوبي ما أصابه – يفوق ذاك الطموح الذي راودهم عند انطلاق عاصفة الحزم. يومها، هرع كثيرون لحجز مقاعدهم والالتحاق بالركب، على خلفية اعتقاد بأنّ الأمور ستُحسم خلال أيام… أو أسابيع.

لكنها لم تُحسم، بل تعقّدت، وتحوّل الزمن نفسه إلى طرف في الصراع.

والحقيقة الأبرد من كل هذا الضجيج أنّ الناشطين، وأصحاب الأصوات العالية، والخلايا، وذباب الفضاء الإلكتروني الذي يملأ السماء طنيناً مزعجاً، سيكفّون عن التدافع عند أول محطة قادمة. فمن يُعيد قراءة سيرة السنوات الماضية، سيدرك أن لا حلول مثالية كيفما يشتهيها البعض وأن الزمن بما يحمله لا يأتي دفعة واحدة فالمراحل لم تكتمل والتغييرات لم تتراكم لتعرض منتجها الأخير. وهكذا فإن السياسة، حين تُقرأ بالأمنيات، لا تُنتج مستقبلًا…وإنما تأتي بكثير من الخيبات.

وفي المقابل كثيرون من نخب الجنوب ينتظرون حوار الرياض، وهو كما يبدو حوار مفتوح، دون حدّ وإنما محددات، ودون سقف ولكن سقوف؛ لا هُبَل يُقدّس أو ناقة تذبح، ولا جلمود صخر يحطه السيل من علِ، ولا كؤوس تُكسر على الموائد (وإنما تقرقع على الطريقة الخليجية).

ثمّة احتواء سعودي؛ قد يُستهلك في الطاولات المستديرة، وفي تباينات الموقف الجنوبي. احتواء قد يُغذّي الحقائق كما قد يستنزفها، وقد يُسقي الواجهات فيما تظل الجذور عطشى. نقول قد، فالدول، والمملكة ليست استثناء، تنظر إلى المشهد من زاوية فضائها الجيوسياسي ومصالحها السيادية، أمّا ما عدا ذلك فغالباً ما يبقى قابلاً لإعادة التشكيل.

هذا الحوار، إن لم يعكس بموضوعية تطلّعات الغالبية العظمى، فلن يكون سوى عامل إضافي في تعميق الأزمة. ففي مختلف بقاع الأرض، تميل الكفّة إلى المشروع الذي ترجحه الأغلبية الوازنة من الشعب. وهذه ليست قاعدة استثنائية مرتبطة بسياق بعينه، بل مبدأ عام يحكم آليات تقرير المصير وفق القوانين والأعراف الدولية، كما يحكم الانتخابات التي تُنتج السلطات وتمنحها شرعيتها.

وفي الختام فإن حوار الرياض، بما سينتهي إليه، سيكون مؤقت حتى يتم نحت الشكل الأخير في حوار السلام مع الحوثي وهذا ما يحاول البعض إهماله. فحقيقة ما يجري ليس سوى تأهيل المشروع للدور النهائي المفترض.

أحمـــــــــــدع