منوعات

الأحد - 11 أكتوبر 2026 - الساعة 04:52 م بتوقيت اليمن ،،،


رصدت شركة أوبن.اي.إيه حملات تضليل سياسي معقدة قادتها شبكات مرتبطة بإيران وروسيا من خلال توظيف منصة شات.جي.بي.تي لإنشاء هويات "صحفيين وهميين" وتأسيس "مراكز أبحاث مزيفة" بهدف غسل وتمرير رسائل بروباغندا سياسية موجّهة إلى وسائل إعلام دولية ومواقع إلكترونية حقيقية، وهو ما يمثل تحولاً بنيوياً في استراتيجيات الحروب السيبرانية وحملات التأثير الرقمي حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي مجرد أداة لإنشاء منشورات عشوائية على منصات التواصل بل تحوّل إلى محرر محترف قادر على اختراق غرف الأخبار التقليدية وتوجيه الرأي العام العالمي عبر قنوات موثوقة.

الشبكة الإيرانية ركزت على انتحال صفات صحفية واستخدمت في عمليتها شخصيات وهمية تدّعي أنها لصحفيين مستقلين يقيمون في دول غربية حيث استخدم المشغلون المنصة لصياغة مقالات مطوّلة وكتابة رسائل احترافية لعرض المواد على محرري الصحف والمواقع الإخبارية الحقيقية لتنجح في نشر نحو 100 مقال في قرابة 12 مؤسسة إعلامية حول العالم.

وتناولت المقالات مضامين سياسية موجهة صِيغت أوامرها باللغة الفارسية مع استخدام شبكات في.بي.إن لإخفاء الهوية لتصوير الولايات المتحدة كطرف معتدٍ وإظهار إسرائيل كحليف غير موثوق بينما تقدم إيران كضحية صامدة وتصاعدت وتيرة هذا النشاط بشكل حاد بالتزامن مع التوترات العسكرية الأخيرة.

في المقابل أدارت شبكة مرتبطة بروسيا واجهة زائفة من خلال إنشاء مركز أبحاث وهمي استهدف دول أميركا اللاتينية حيث تم توظيف موظفين محليين حقيقيين للعمل في المركز دون أن يكون لديهم أدنى علم بأنهم يعملون لصالح جهات روسية وتم استخدام شات.جي.بي.تي لإعداد تقارير داخلية وصياغة وثائق مسربة مزيفة وسيناريوهات لمقاطع صوتية وكان الهدف الاستراتيجي الأساسي للحملة هو تقويض سمعة أوكرانيا وتشويه الدعم الدولي المقدم لها في الساحة اللاتينية.

يكشف هذا الاختراق غير المسبوق عن ثغرات هيكلية في منظومة الإعلام الحديث فالذكاء الاصطناعي التوليدي حلّ عائقاً كبيراً طالما واجه أجهزة المخابرات الأجنبية وهو العائق اللغوي والثقافي حيث كانت البروباغندا تُكشف سابقاً بسبب الأخطاء الإملائية الركيكة أو الصياغات غير الطبيعية بينما تنتج النماذج اللغوية الكبيرة اليوم محتوى بلغة إنجليزية أو إسبانية بليغة ومعمقة لا تثير ريبة رئيس التحرير الأكثر تمرساً وتكمن خطورة هذه العمليات في قدرتها على الانتقال من الهامش الرقمي إلى العمق المؤسسي مما يعطي البروباغندا صبغة الشرعية والموثوقية التي يفتقدها الذباب الإلكتروني التقليدي.

تضع هذه التطورات شركات التكنولوجيا الكبرى ووسائل الإعلام أمام تحديات مصيرية لضمان الأمن المعلوماتي حيث باتت غرف الأخبار ملزمة بتبني آليات تدقيق صارمة تتجاوز مجرد فحص جودة المقال لتشمل التحقق الرقمي والواقعي من الهوية الحقيقية للصحفيين المستقلين ومصادر تمويلهم.

وتعتمد شركات التكنولوجيا على خوارزميات رصد سلوكية متطورة لتتبع أنماط الاستخدام لكن مع تطور النماذج مفتوحة المصدر التي لا تخضع لرقابة الشركات ستمتلك الدول قدرة كاملة على تشغيل هذه الحملات محلياً ودون قيود لتثبت هذه الحادثة أن المعركة القادمة في الفضاء الرقمي لن تكون حول تدمير البنية التحتية فحسب بل حول تزييف العقول واختراق قنوات الوعي الجمعي عبر صحفيين ومؤسسات لا وجود لهم إلا في خوادم الذكاء الاصطناعي.