منوعات

الأحد - 11 أكتوبر 2026 - الساعة 12:53 م بتوقيت اليمن ،،،


أثار مقطع فيديو انتشر بسرعة البرق على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر جدلاً مجتمعياً ودينياً كبيراً، بعدما ظهر فيه مأذون شرعي يمزح مع عريس أثناء مراسم عقد القران، في حوار دار حول «الرزق والنكاح».

وانتهى الحوار برد جريء من العريس أثار ضحك الحاضرين، قبل أن يتحول الفيديو إلى مادة دسمة للتوك شو ومنشورات آلاف المستخدمين الذين انقسموا بين مؤيد يرى فيه تعبيراً عفوياً عن الفرحة، ومعارض يعتبره استخفافاً بمناسبة مقدسة.

الفيديو، الذي تداولته المنصات منذ أوائل أكتوبر 2026، لم يكن الأول من نوعه. فخلال السنوات الأخيرة تكررت مشاهد مشابهة تحول فيها مجلس عقد القران إلى مساحة للمزاح والإضحاك، بعضها وصل إلى حد الإسفاف أو استخدام عبارات غير لائقة داخل صيغة الإيجاب والقبول نفسها. لكن هذه المرة جاء الرد الرسمي سريعاً من أعلى مؤسسة دينية في البلاد

وأصدر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بياناً رسمياً حاسماً، أكد فيه أن عقد الزواج من أعظم العقود التي شرعها الله تعالى، ووصفه القرآن الكريم بـ«الميثاق الغليظ».

وشدد البيان على أن هذا العقد يترتب عليه تأسيس الأسرة، وحفظ الأنساب، وتربية الأبناء، وتحقيق السكن والمودة والرحمة، وبناء المجتمع على أسس المسؤولية والاستقرار. ومن ثم فإن إبرامه يقتضي التوقير والجدية وحسن الأدب، ولا يليق أن يتحول مجلس العقد إلى ميدان للهزل والسخرية، أو أن تتخلل صيغة الإيجاب والقبول ألفاظ وتعليقات لا تليق بمقامه.

وأوضح الأزهر أن الفرح بالزواج أمر مشروع ومندوب إليه، لكن ذلك لا يعني تحويل المراسم إلى مشهد هزلي أو استعراضي يهدف إلى إضحاك الحاضرين أو زيادة المشاهدات على وسائل التواصل الاجتماعي. وأضاف أن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يكون من يظهر في الفيديو من المنتسبين إلى العلم الشرعي أو ممن يرتدون الزي الديني، لأن ذلك يمس هيبة المجلس وقدسية العقد.

وحذر المركز بشكل خاص من افتعال مواقف ساخرة أو استخدام عبارات غير لائقة لجذب التفاعل، معتبراً هذه المظاهر «استخفافاً مرفوضاً» لا يليق بعقد عظمه الشرع وجعله آية من آيات الله.

وانقسمت الآراء على منصات التواصل بشكل حاد. فريق يرى أن المزاح الخفيف يخفف من رهبة اللحظة ويجعل المناسبة أكثر إنسانية ودافئة، خاصة في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الشباب المقبل على الزواج. ويشير هؤلاء إلى أن الفرح جزء أصيل من السنة، وأن الكثير من العائلات تفضل أجواء مرحة على الرسمية المفرطة.

في المقابل، اعتبر فريق آخر أن مثل هذه المشاهد تفرغ العقد من هيبته، وتحوله إلى محتوى ترفيهي يُستهلك ثم يُنسى، بينما يبقى العقد وثيقة شرعية وقانونية ترتب حقوقاً وواجبات تستمر مدى الحياة. وانتقد البعض تحول المأذونين إلى «مؤثرين» يسعون وراء الشهرة، محذرين من أن يصبح كل عقد قران فرصة لتصدر الترند.

وامتد الجدل إلى برامج التوك شو المصرية، حيث ناقش مذيعون وخبراء اجتماعيون ودينيون الظاهرة، متسائلين عن حدود المقبول في التعبير عن الفرح داخل إطار ديني واجتماعي محافظ نسبياً مثل المجتمع المصري

والحادثة ليست معزولة. فخلال السنوات الماضية تكررت وقائع مشابهة، منها مشاهد مزاح مفرط أثناء قراءة الشروط، أو تعليقات جريئة من أحد الطرفين أمام الحضور، أو حتى محاولات تحويل صيغة العقد نفسها إلى نكتة. وفي إحدى الحالات الشهيرة السابقة، وجهت عروس رسالة مباشرة لزوجها المستقبلي عبر الميكروفون أكدت فيها أولوية أهلها، ما أثار أيضاً ردود فعل متباينة.

ويربط محللون هذه الظاهرة بثقافة السوشيال ميديا التي حولت كل لحظة حياتية إلى محتوى قابل للنشر والتفاعل. فالعقد الذي كان يتم في نطاق عائلي ضيق أصبح اليوم يُصور ويُبث مباشرة أو يُرفع لاحقاً، ما يدفع بعض المشاركين إلى «الأداء» أمام الكاميرا بدلاً من التركيز على المعنى الجوهري للمناسبة.

كما يشير البعض إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية تجعل الكثير من الشباب يبحثون عن لحظات خفيفة تخفف من جدية الالتزامات الثقيلة المرتبطة بالزواج في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الاستقرار.

ويميز الأزهر في بيانه بوضوح بين مظاهر الفرح المشروعة – كالتهنئة والابتسام وإظهار السرور – وبين إدخال الهزل أو السخرية داخل مجلس العقد نفسه، خاصة أثناء الإيجاب والقبول. فالصيغة الشرعية هي التي ينعقد بها الزواج وتترتب عليها آثاره، لذا يجب أن تصدر بجدية ووضوح بعيداً عن أي لبس أو استخفاف.

ويذكر البيان أن النبي أكد جدية عقود النكاح والطلاق والرجعة حتى لو وقعت في سياق هزلي، في إشارة إلى أن الألفاظ في هذه المواضع تحمل أوزاناً شرعية لا يُستهان بها.هذا التمييز يضع المجتمع أمام تحدٍ ثقافي: كيف يمكن الحفاظ على روح الفرح والبهجة في أفراح المصريين التقليدية، دون المساس بقدسية اللحظة التي تؤسس لأسرة جديدة؟

ويحمل تدخل الأزهر أبعاداً تتجاوز الفيديو الواحد. فهو يعكس حرص المؤسسة على حماية الرموز الدينية من الاستهلاك الرقمي السريع، وعلى الحفاظ على صورة المأذون كشخص يحمل مسؤولية شرعية لا كمقدم محتوى. كما يأتي في سياق أوسع تشهد فيه مصر نقاشات مستمرة حول تجديد الخطاب الديني وحدود التفاعل بين الدين والحياة اليومية في عصر المنصات.

من جهة أخرى، يفتح الجدل باباً للحديث عن دور وزارة الأوقاف والمأذونين أنفسهم في وضع ضوابط أخلاقية ومهنية أوضح لمراسم العقود، ربما من خلال توجيهات رسمية أو دورات توعية.