أخبار عدن

الأحد - 11 أكتوبر 2026 - الساعة 04:49 م بتوقيت اليمن ،،،

عدن


في سجلّ عدن الحافل بالرجال الذين صنعوا مجدها الثقافي والإعلامي، تبرز أسماءٌ تركت بصماتها بهدوء، وأسهمت في بناء نهضتها بعيدًا عن الأضواء وصخب الشهرة. ومن بين هذه القامات العدنية الأصيلة، يسطع اسم الأستاذ حامد محمد علي لقمان (1926–1992)، أحد رواد الصحافة والتعليم والعلاقات العامة، وشخصية ثقافية تستحق أن تستعيد الأجيال سيرتها، وأن يُنصفها التاريخ بما يليق بعطائها.

النشأة والتعليم.. من عدن إلى القاهرة ولندن

وُلد الأستاذ حامد محمد علي لقمان في مدينة عدن يوم 26 أبريل 1926، ونشأ في كنف أسرة لقمانية عدنية عريقة عُرفت باهتمامها بالعلم والثقافة. وبعد إكمال دراسته الأساسية والثانوية في عدن، أرسله والده، الأستاذ والمربي والمثقف المعروف محمد علي لقمان، عام 1945 إلى القاهرة، ليلتحق بكلية الآداب، قسم الصحافة، في الجامعة الأمريكية، حيث نال شهادته الجامعية عام 1949.

ولم يتوقف طموحه العلمي عند هذا الحد، بل واصل رحلته إلى لندن، والتحق بإحدى جامعاتها، حيث حصل على دبلوم في الصحافة، في خطوة عكست شغفه بالمعرفة وحرصه على تطوير قدراته المهنية والأكاديمية.

من ميادين التعليم إلى قيادة الصحافة الإنجليزية في عدن
بعد عودته إلى مسقط رأسه، بدأ حامد لقمان مسيرته العملية مدرسًا في مدارس عدن، حيث تتلمذت على يديه أجيال من أبنائها، وكان له دور تربوي وإنساني ترك أثرًا طيبًا في نفوس طلابه. ولم تكن كلمة «الأستاذ» التي سبقت اسمه على ألسنة معارفه وزملائه مجرد لقب، بل كانت تعبيرًا عن مكانته العلمية والتربوية، وما عُرف عنه من أخلاق رفيعة واحترام مستحق.

وبفضل تأهيله الأكاديمي وخبرته الصحفية، انتقل إلى ميدان العمل الإعلامي، فتولى منصب مدير التحرير في صحيفة «أيدين كرونيكل» (Aden Chronicle) الصادرة باللغة الإنجليزية، خلال الفترة من 1952 إلى 1954، كأصغر مدير تحرير لصحيفة تصدر باللغة الإنجليزية على مستوى الجزيرة العربية آنذاك.

وبعد سنوات من العمل والإنجاز، سلّم الراية لشقيقه الأصغر، الصحفي الدولي الراحل فاروق لقمان، لتتواصل بذلك مسيرة أسرة ارتبط اسمها بالصحافة والثقافة والإعلام في عدن.

في مصافي عدن.. إعلام وعلاقات عامة بروح المسؤولية

انتقل الأستاذ حامد لقمان لاحقًا إلى العمل في شركة مصافي الزيت البريطانية بمنطقة البريقة، حيث تولى مهام ضابط العلاقات العامة والإعلام، مستثمرًا خبرته الصحفية وإجادته للغتين العربية والإنجليزية في تطوير العمل الإعلامي وتعزيز التواصل بين العاملين.

وأسهم في تحرير مطبوعتين ارتبطتا ببيئة العمل في المصافي، إحداهما باللغة العربية والأخرى باللغة الإنجليزية، هما «المصافي» و«الجوتنز»، وفقًا لما ورد في سيرته.

ولم يقتصر دوره على تحرير المواد الصحفية وإعداد المحتوى الإعلامي، بل امتد إلى بناء جسور التواصل بين العاملين العرب والأجانب؛ فكان يساعد أبناء المجتمع العربي على تعلم اللغة الإنجليزية، ويشجع زملاءه الإنجليز وغيرهم على تعلم العربية، إيمانًا منه بأن اللغة وسيلة للتفاهم والتقارب، وأن المعرفة الحقيقية تزداد قيمة حين تُسخّر لخدمة الآخرين.

كاتب متميز وموثّق لذاكرة عدن

لم يكن حامد لقمان صحفيًا وإداريًا فحسب، بل كان أيضًا كاتب قصة متميزًا، وواحدًا من المهتمين بتوثيق الحياة الاجتماعية والثقافية في مدينة عدن، ومن أبرز أعماله إعداد دليل للشخصيات البارزة في المدينة، شمل أسماءً من قطاعات سياسية واقتصادية وثقافية متعددة، في جهد توثيقي مهم استهدف جمع المعلومات والبيانات عن شخصيات أسهمت في تشكيل ملامح الحياة العدنية خلال مرحلة تاريخية مهمة.

وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يتجاوز مجرد رصد الأسماء والمناصب، ليقدم نافذة على مجتمع عدن وتنوعه، وعلى رجالاته الذين شاركوا في صناعة حضورها الثقافي والاقتصادي والسياسي.

وفي زمن كانت فيه عملية جمع المعلومات وتوثيقها أكثر مشقة، مثّلت هذه المبادرة جهدًا يستحق التقدير، لما تحمله من قيمة للباحثين والمهتمين بتاريخ المدينة وذاكرتها.

تواضع الكبار.. حين يكون العطاء أكبر من الأسماء

على الرغم من مؤهلاته وخبراته ومكانته المهنية، عُرف الأستاذ حامد لقمان بتواضعه الشديد وابتعاده عن الأضواء، فلم يكن من الساعين وراء الشهرة أو المكاسب الشخصية، بل كان يقدّم العمل على الظهور، والعطاء على التباهي.

حيث كان يتردد، بل يرفض أحيانًا، وضع اسمه على بعض الدوريات والصحف التي يديرها أو يشرف عليها؛ وهي سمة نادرة تجسد روح الإيثار، وتعكس شخصية ترى في نجاح العمل غايتها الحقيقية، لا في تصدّر المشهد أو حصد الأضواء.

وعلى المستوى الإنساني، عُرف بأنه رجل مسالم، طيب المعشر، كريم الخلق، محب لمساعدة الناس، ولا سيما في مجالات الكتابة والنشر والتعليم. لقد جمع بين رصانة المثقف، وروح المربي، وانضباط الصحفي، وتواضع الإنسان الذي يدرك أن قيمة المرء فيما يقدمه للآخرين، لا فيما يناله من شهرة أو ثناء.

ذاكرة لا ينبغي أن تغيب عن الأجيال

ورغم ما تركه الأستاذ حامد لقمان من أثر في ميادين التعليم والصحافة والعلاقات العامة، فإن كثيرًا من شباب اليوم قد لا يعرفون ما يكفي عن هذه الشخصية العدنية الرائدة، التي عاشت مرحلة مهمة من تاريخ المدينة وأسهمت في نهضتها الثقافية والإعلامية.

ولم تتح لي فرصة التعرف إلى الفقيد حامد لقمان شخصيًا، غير أنني اقتربت من سيرته من خلال ما لمسته من أخلاق أبنائه زهير وزاهر ونصر، وما يعكسونه من طيب السيرة وحسن الخلق؛ وهي شهادة إنسانية تدفع إلى استحضار ذكرى والدهم، والتأمل في الأثر الطيب الذي يتركه الإنسان في أسرته ومجتمعه.

إن استعادة سيرة حامد لقمان ليست مجرد وفاء لرجل رحل عن دنيانا، بل هي وفاء لمرحلة من تاريخ عدن، ولجيل من المثقفين والتربويين والإعلاميين الذين عملوا بصمت، وأسهموا في صناعة مكانة المدينة الثقافية والحضارية.

شارع في البريقة باسم حامد لقمان.. تكريم مستحق ورسالة للأجيال

ومن هنا، يبرز سؤال يستحق أن يُطرح أمام الجهات المعنية في عدن: أليس من الوفاء لهذه القامة العدنية أن يُطلق اسم الأستاذ حامد محمد علي لقمان على أحد شوارع منطقة البريقة، حيث عمل وعاش وترك جانبًا من بصماته المهنية والإنسانية؟

إن تسمية شارع باسمه لن تكون مجرد لوحة تُعلّق على أحد الطرقات، بل رسالة ثقافية وأخلاقية تؤكد أن عدن تحفظ أسماء أبنائها الذين خدموها بإخلاص، وأن التكريم الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على أصحاب المناصب والنفوذ، بل يمتد إلى المعلمين والصحفيين والمثقفين ورواد العمل العام الذين أسهموا في بناء المجتمع وصون ذاكرته.

فالأمم التي تعرف قيمة تاريخها لا تترك رموزها في طي النسيان، والمدن التي تعتز بهويتها تحرص على تخليد رجالها الذين منحوا العلم والعمل والإنسانية سنوات عمرهم.
رحم الله الأستاذ حامد محمد علي لقمان، الذي رحل عام 1992، وبقيت سيرته شاهدًا على جيل عدني أصيل آمن بالعلم، وخدم الصحافة، وأخلص لعمله، واختار التواضع طريقًا، وترك أثره في الناس دون ضجيج.

ابوبكر السياري

#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة