مجتمع مدني

السبت - 09 مايو 2026 - الساعة 03:12 م بتوقيت اليمن ،،،

ماهر باهديلة


إن إعادة ترميم المباني التاريخية في مدينة العاصمة عدن تُعد خطوة إيجابية ومهمة للحفاظ على الهوية العمرانية للمدينة، خصوصاً في ظل ما تعرضت له كثير من المباني التراثية من إهمال وتدهور خلال العقود الماضية،إضافة إلى ما شهدته مدينة عدن من آثار الحرب وما رافقها من أضرار مباشرة وغير مباشرة على البنية العمرانية التاريخية، الأمر الذي ضاعف من تحديات الحفاظ على الهوية المعمارية للمدينة ومعالمها التراثية.

ومن بين هذه المشاريع يبرز مشروع ترميم مبنى فندق إحسان بمديرية صيرة، باعتباره واحداً من المباني ذات الحضور التاريخي والمعماري المعروف في ذاكرة عدن القديمة.

وعند إجراء قراءة بصرية ومعمارية أولية بين الصور التاريخية للمبنى وصورته بعد الترميم الحديث، يمكن ملاحظة أن المشروع نجح إلى حد كبير في إعادة الحياة للمبنى وتحسين حالته العمرانية وإبراز حضوره داخل النسيج الحضري للمدينة، غير أن النقاش المعماري والتراثي يظل قائماً حول مدى دقة الحفاظ على الهوية الأصلية للمبنى أثناء عملية الترميم.

فالصور القديمة توضح أن المبنى كان يتميز بطابع معماري متزن وبسيط، يعكس روح العمارة العدنية التجارية في تلك المرحلة التاريخية، حيث كانت الواجهات تعتمد على الإيقاع الهادئ للفتحات والنوافذ، مع حضور محدود ومدروس للعناصر الخشبية دون مبالغة بصرية أو زخرفية.

أما في الترميم الحديث، فتظهر بوضوح زيادة ملحوظة في استخدام المشربيات والبروزات الخشبية في الواجهة، سواء من حيث العدد أو الامتداد أو التكرار على الواجهة.

ورغم أن هذه الإضافات منحت المبنى طابعاً تراثياً لافتاً بصرياً، إلا أنها في المقابل غيّرت جزئياً من قراءة المبنى الأصلية، وأعطته ملامح أقرب إلى “ إعادة تشكيل تراثي ” أكثر من كونه استعادة دقيقة لصورته التاريخية القديمة.

المسألة هنا ليست في جمال الإضافة من عدمه، بل في فلسفة الترميم نفسها.

فهناك فرق مهني ومعماري كبير بين:
“ الترميم المحافظ على الأصل ”
و “الترميم التجميلي المستلهم من التراث”.

الترميم المحافظ يركز على إبقاء شخصية المبنى كما كانت، حتى في بساطتها وتفاصيلها المحدودة، بينما الترميم التجميلي يميل أحياناً إلى إضافة عناصر ذات طابع تراثي بشكل أكبر لإنتاج صورة بصرية أكثر فخامة أو جذباً.

ومن خلال المقارنة البصرية، يبدو أن الواجهة الحالية فقدت شيئاً من هدوئها واتزانها القديم نتيجة كثافة العناصر الخشبية والبروزات المتكررة، الأمر الذي جعل الكتلة المعمارية الأصلية أقل حضوراً مقارنة بما كانت عليه في الصور التاريخية.

كما أن العمارة العدنية التاريخية، خصوصاً في المباني التجارية والفندقية، عُرفت بطابعها العملي والبسيط نسبياً، وكانت تعتمد على التناسب والوظيفة أكثر من اعتمادها على الزخارف الثقيلة.

ولهذا فإن المبالغة في بعض التفاصيل قد تنقل المبنى من كونه “ معلماً تاريخياً موثقاً ” إلى “ نسخة حديثة بطابع تراثي ”.

وهذه الملاحظات لا تنتقص من أهمية المشروع أو من الجهد المبذول فيه، بل تفتح باباً مهماً للنقاش حول مستقبل ترميم المباني التاريخية في عدن، والحاجة إلى تعزيز حضور التخصصات المرتبطة بحفظ التراث المعماري، بما يشمل التوثيق الدقيق، والدراسات الأرشيفية، والقراءة التاريخية للواجهات والعناصر الأصلية قبل تنفيذ أي أعمال تطوير أو إعادة تأهيل.

فالحفاظ على التراث العمراني لا يرتبط فقط ببقاء المبنى قائماً، بل أيضاً بالحفاظ على روحه الأصلية، وتفاصيله الحقيقية، وذاكرته البصرية التي تشكل جزءاً من هوية المدينة وتاريخها.

أ. ماهر محمد سالم باهديلة