كتابات وآراء


الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 09:09 م

كُتب بواسطة : محمد علي محمد أحمد - ارشيف الكاتب



حين أراد الصينيون القدماء تأمين دولتهم من الأخطار الخارجية، لم يفكروا في حلول مؤقتة، بل صبّوا عبقريتهم وجهدهم في بناء أعظم حصن مادي عرفه التاريخ:
(سور الصين العظيم).

كان الهدف صريحاً؛ بناء سد لا يُقهر، يستحيل تسلقه، ويصعب هدمه، ليظل الصينيون خلفه في طمأنينة أبدية.


لكن المفارقة التاريخية الصادمة هي أنه خلال المائة عام الأولى بعد اكتمال السور، تعرضت الصين لثلاث غزوات كبرى، والمثير للدهشة أن الأعداء في تلك المرات لم يحتاجوا إلى معاول لهدم السور، ولا لسلالم لتسلقه.. لقد دخلوا ببساطة عبر الباب!

والسر لم يكن في صلابة الحجر، بل في "هوية الحارس"؛ حيث استطاع الغزاة إغراء حراس البوابات بالمال والذهب، ففُتحت الأبواب الحديدية من الداخل بكل أريحية، ليثبت التاريخ أنهم انشغلوا ببناء السور ونسوا بناء الإنسان.


إن هذه القصة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي مرآة تعكس واقعنا المعاصر؛ فمن لم يُثَبِّت في عقيدة الحارس والجندي والمواطن حب الوطن، وإيماناً بانتصار قضيته وإن طال الزمن، وولاءً راسخاً كالجبال مهما كان الثمن، لن تنفعه أعداد قواته مهما بلغت، ولا أسلحته مهما كانت ترسانته متطورة وتحصيناته على كل حدوده انتشرت.

فالشعوب وحتى الثورات التحررية التي تبالغ في تحصين "القشور" المادية والتقنية وتغفل عن تأهيل وتأمين العنصر البشري، إنما تبني قصوراً من رمال أمام رياح الفساد والإغراء، فالعدو في العصر الحديث لا يحتاج دائماً لاختراق الأنظمة الأمنية المعقدة أو تجاوز القوانين الصارمة، طالما أنه يجد ثغرة في "الضمير" تمكنه من شراء المفاتيح.

لذا فإن القوة الحقيقية لأي نظام أو ثورة شعبية لا تكمن في سماكة جدرانها وصلابة أسوارها، بل في أمانة وإخلاص أفرادها الذين يشكلون الحصن المعنوي الذي لا يمكن شراؤه بالذهب أو تحطيمه بزعزعة إيمانه بانتصار إرادته، أوتشكيكه بهدفه ومصيره الذي اختاره .


الخــــــــــلاصة
لقد ضاعت عظمة السور حين غاب إخلاص الحارس، وهذا هو الدرس الخالد: "إن الحجر لا يحمي من قرر بيع المفتاح، وبناء النفوس هو الضمانة الوحيدة لبقاء الأوطان، واستمرار الشعوب في الدفاع عن أرضها حتى انتزاعها و تحقيق النصر المبين"