الأحد - 03 مايو 2026 - الساعة 11:17 ص
لم تعد ذكرى التأسيس مناسبة للاحتفاء الرمزي، بل تحوّلت إلى لحظة تقييم صريح لمسار مشروع الجنوب. فجوهر المرحلة الراهنة لا يكمن في تكرار شعار “استعادة الدولة”، بل في بلورة مشروع دولة متكامل؛ مشروع يحدد بدقة شكل النظام السياسي، ويرسم بوضوح موقع الجنوب في شبكة العلاقات الإقليمية والدولية. فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل برؤى مؤسسية قابلة للتنفيذ.
ولا يمكن إنكار أن المجلس الانتقالي الجنوبي نجح في نقل القضية الجنوبية من هامش التجاهل إلى قلب التوازنات المحلية والإقليمية، مستندًا إلى قاعدة شعبية واسعة ، غير أن هذا التقدّم، على أهميته، لا يكفي بذاته للانتقال من مرحلة “التمثيل” إلى مرحلة “بناء الدولة”.
إن أول مدخل لهذا التحول يبدأ بإعادة هيكلة القيادة السياسية على أسس جماعية متوازنة، تعكس التنوّع الجغرافي الحقيقي ( من حضرموت إلى عدن، ومن شبوة إلى أبين والضالع )وتُنهي حالة التمركز التي أضعفت إدارة التعدد، وأنتجت اختلالات في التمثيل وصناعة القرار.
وفي السياق ذاته، لم يعد إدماج الكفاءات المدنية والأكاديمية خيارًا تكميليًا، بل ضرورة وجودية. فالمعركة لم تعد عسكرية أو جماهيرية فحسب، بل أصبحت معركة قانون دولي، وإعلام خارجي، ودبلوماسية احترافية. ومن دون هذا البعد المؤسسي، سيظل الخطاب الجنوبي عاجزًا عن التحول إلى مشروع يحظى بالاعتراف الدولي.
أما الشرعية الشعبية، وعلى أهميتها، فهي تفرض تبني مبدأ الشفافية والمساءلة. وهو ما يستدعي وضع معايير واضحة للإدارة المالية والتنظيمية، وصياغة ميثاق فعلي لمكافحة الفساد، يتجاوز الشعارات إلى آليات تنفيذ ومحاسبة حقيقية.
وفي ما يتصل بالعلاقة مع الإقليم، فإن التحدي يكمن في صياغة معادلة دقيقة: استقلال القرار الجنوبي من جهة، وتقديم المشروع كعامل استقرار يخدم مصالح الشركاء الإقليميين من جهة أخرى. غير أن هذه المعادلة تصطدم بواقع معقّد تفرضه موازين القوى والاعتمادات المتبادلة، ما يجعل إدارة العلاقة مع الإقليم عملية دقيقة تتطلب قدرًا عاليًا من الحنكة السياسية. ومع ذلك، فإن الانزلاق نحو سياسة “إرضاء الجميع” يحمل خطرًا وجوديًا، إذا تحوّل إلى تنازلات تُفرغ المشروع من مضمونه. فالسّياسة ليست فن إرضاء الجميع، بل فن إدارة التوازنات دون التفريط في الهدف.
كما أن التعويل على ما يُسمّى بـ«الضمانات الكاملة» في الحوار الجنوبي–الجنوبي يظل رهانًا هشًّا. فالضمان الحقيقي لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى في الداخل، عبر توافق وطني قائم على شراكة سياسية واضحة، وضمانات مؤسسية راسخة، تستوعب دروس الماضي وتُغلّب منطق الشراكة على أي رهانات أخرى.
إن الإشكالية لا تكمن في وجود المجلس الانتقالي الجنوبي، بل في طريقة إدارته للمشروع. ومن هنا، فإن الخيار الأكثر واقعية لا يتمثل في هدمه، بل في إعادة بنائه من الداخل، عبر إصلاح عميق يعيد تعريف دوره، ويؤهله لقيادة مرحلة ما بعد الحرب بكفاءة ومسؤولية، رغم ما يحيط بذلك من تعقيدات وتحديات موضوعية.
إن اللحظة الراهنة ليست مجرد تحدٍ… بل اختبار تاريخي حاسم: إما أن يتحول الجنوب إلى مشروع دولة مكتمل الأركان، أو يظل أسير فكرة الدولة دون أن يلامسها.