كتابات وآراء


الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 12:47 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر - ارشيف الكاتب



في النصف الأول من مايوعام 2023م شهدت العاصمة عدن انعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي الذي تمخض عن مخرجين أساسيين

الأول كان التوقيع على اتفاق سياسي شملَ أكثر من 35 مكونا وهيئةً وفعاليةً سياسية، وانخراط الموقعين جميعًا في أطار بنية المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته وتكويناته القيادية والمحلية، والثاني إقرار ميثاق العمل الوطني الجنوبي الذي اعتبره الكثيرون اتفاق مبادئ بين هذه التكوينات السياسية الجنوبية بشأن الهدف الأساسي الذي يناضل من أجله الشعب الجنوبي منذ العام 1994م وكان قادة معظم تلك المكونات هم آخر الداخلين إلى هيئات المجلس الانتقالي الجنوبي القيادية.

وبعد الهجمة الشرسة ومحاولات الحل التي تعرض لها المجلس الانتقالي الجنوبي منذ مطلع يناير من هذا العام سارع بعض هؤلاء الملتحقين أخيراً بقيادة المجلس إلى التبرؤ منه ليكونوا أول الخارجين من هذا المجلس.

قد لا يكون معيباً أن يجري هذا السياسي أو ذاك مراجعةً سياسية وفكرية في ظروفٍ طبيعية فيقوم بعدها بتعديل أو تصويب أو حتى استبدال كامل لمواقفه السياسية إزاء هذه القضية أو تلك أو هذا الكيان السياسي أو ذاك، لكن حينما تكون هذه المراجعة أو ذاك الاستبدال للموقف أو الانسحاب من طرفٍ سياسيٍ يواجه حرب الشيطنة والتخوين ومحاولات المحو من الوجود، وهي حربٌ مبنيةٌ على أسس باطلةٍ وزائفةٍ كما يعلم الجميع، فإن هذا الانسحاب أو التبدل في الموقف السياسي لا يمكن تفسيره إلا على إنه هروبٌ من استحقاقات المواجهة مع التحديات الجديدة التي لم تكن بحسبان أحد.

والأدهى من ذلك أن لا يكتفي بعض المنسحبين بالخروج الصامت بل ينتقل من خانة العضو الفاعل المفيد والمستفيد إلى خانة الخصم السياسي المجاهر بعدائيته للكيان الذي كان جزءٌ من تكوينه وفعالياته وسياساته، والاستثمار فيه وهو ما يطرحُ من الأسئلة أكثر مما يقدمُ من التفسيرات والإجابات.

نعم لم يكن المجلس الانتقالي حالةً ملائكية، وهذا ما قلناه عشرات المرات، فلدى المجلس الانتقالي من العيوب بعضٌ مما لدى كثير من القوى السياسية اليمنية، وإن كانت تلك العيوب لا تساوي 10% مما لدى ناهبي الثروات ومغتصبي المنشآت والمتقاسمين لشواطئ الاصطياد والمساحات الزراعية ومزارع الدولة والتعاونيات والعابثين بالقروض والهبات والإعانات، ومع ذلك سيكون من حقنا أن نسائل المجلس الانتقالي عن كل سلبياته، وأن ننتقده وأن نطالبه بتصحيح وضعه، لكن في الظروف الطبيعية، أما حينما ياتي كل هذا والمجلس الانتقالي عرضة للطعنات المتعددة، فإن هذا يؤكد أن ثقافة إدانة المهزوم والطعن في الطرف الأضعف في معركة عبثية هذه الثقافة ما تزال تحتل مساحةً غالبة في وعي بعض النخب السياسية متقلبة المزاج.

وما يثير الاسف والاستياء والشفقة على الذين يسلكون هذا السلوك أنهم يعتقدون أنهم بسلوكهم هذا قد تحولوا إلى ملائكة من خلال شيطنتهم للانتقالي وأنهم سيملأون الفراغ الذي يعتقدون أن الانتقالي سيتركه بعد ما انسحبوا منه وأقاموا كرنفالات الشتيمة والتجريح ضده.

إن التشهير بالمجلس الانتقالي الجنوبي والحديث عن ظواهر الفساد فيه لن تضيف شيئا فوق كل ما قيل عن هذه القضايا من قبل الإعلام المعادي وحتى بعض المتعاطفين مع المجلس، لكن السؤال يظلُّ: أين كان هؤلاء حينما اكتشفوا كل تلك "الملفات" التي يتحدثون عنها باستمتاع شديد ومكشوف، والحقيقة أن تستر هؤلاء على ما يسمونه بالملفات إنما يكشف أحد أمرين:

*إما إن هؤلاء كانوا شركاءً في هذه الملفات وبالتالي فكشفهم لها أو تسترهم عليها لا يغيران شيئًا في الأمر، وإما إنهم لم يمتلكوا من الشجاعة ما يجعلهم يكشفون هذه الملفات ويعرون أصحابها في وقتها وادخروها إلى وقت الحاجة، وبالتالي فإن شهادتهم لا يمكن الاعتداد بها لأن وراءها أغراضًا غير أمينة ولا نزيهة.
ولله عاقبه الامور