كتابات وآراء


الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 12:59 م

كُتب بواسطة : د. عارف محمد الحسني - ارشيف الكاتب



صعوبة التَّعلم"القراءة" لتلميذ خالي من العيوب الخِلْقِية ، تكمن بالأساس لعدم قدرته على نسج الحروف الأبجدية لِلُغته العربية في صورة كلمات ، والتي هي مفردات المادة العلمية المُقررة عليه في مرحلة دراسية ابتدائية من ( 1-6) ، وبالتالي انعدمت لديه الشروط الموضوعية الضرورية اللازمة لحفظ واستذكار درسه ، مما يجعلُ التلميذ يقضي وقتاً طويلاً لحفظ محتوى الدرس وفهمه ، فيصيبه المَلّل ، فيؤدي ذلك إلى عزوف التلميذ عن مراجعة دروسه المُقررة ، وإهمالها ، ويزداد الأمر سوءً عند تقدمه في مراحل دراسية أعلى ، حينما تزداد مفردات المواد العلمية تعقيدً ، فنجد تلميذ في مرحلة دراسية متقدمة من ( 3-6) ولكن لا يفقه من معارف مقررات العام الدراسي الذي هو فيه إلا ما تيسر له . فالقراءة إذاً هي أداة التعلم، والضعف فيها يؤدي إلى تدني التحصيل الدراسي في مختلف المواد العلمية ، وليس اللغة العربية فقط .

وهنا يُطرح السَّؤال.. لماذا؟ الإجابة هو عدم التكامل بين مقدراته اللغوية ، قراءة وكتابة ، والمرحلة الدراسية المُقَّيد فيها في سجلات المدرسة ؛ هذه هي الظاهرة الأكثر شيوعاً في مدارسنا ، وهذا بسبب اعتمادنا على نقل الثقافة الجاهِزة وانعدام العقلانية عند الإعجاب بتجارب الآخرين عند إعداد المناهج الدراسية للصفوف من (1-3) خلال سنوات خلت ، وتلبسها لِأفكار ومفاهيم جاهزة ، لنكتشف بعد فوات الأوان بأن الضحية جيل بكامله ، بذرته التلميذ في حقل الصف الأول .



المنهج التركيبي من الجزء إلى الكل هو أصل تعلم اللغة العربية ، حيث يجب أن يبدأ التلميذ في الصف الأول بتعلم الحروف الأبجدية صوتاً ورسماً ، ثم يتعلم الحركات (الفتحة، الضمة، الكسرة)، يليه دمج الحروف لتكوين مقطع من كلمات عشوائية لا تحمل معنى ، ثم تعلم الكلمة ذات ثلاثة ، وأربعة حروف ، ثم جمل قصيرة ، هذا النهج أساسي لبناء مهارات القراءة والكتابة بشكل صحيح ، عند تعلم اللغة العربية .



ضعف التأسيس في المراحل الابتدائية للتعلم عند عدم إتباع استراتيجيات تدريس مناسبة ، ودون أن تُقيِم المُؤسسات التعليمية مرتكزات التعليم المملوكة لها دون شطحات ، هو احد الأسباب الجوهرية لِضعف إجادة قراءة وكتابة الحروف الأبجدية ، مما يؤدي إلى صعوبات تراكمية في القراءة والكتابة ، مما يُعيق استيعاب معظم المواد الدراسية عند مطالعتها، هذا الضعف يَحد من قدرة التلميذ ثم الطالب ودافعيته للتَّعلم ، لمواكبة تطور مفردات المقرر الدراسي ، مما يؤثر سلباً على ثقته بنفسه فيتسبب بمشاكل سلوكية ، وأكاديمية طويلة الأمد ، هذا النموذج يُمثِل النسبة الأعلى في واقعنا كمخرجات للتعليم الأساسي والإعدادي والثانوي .

ومن هنا تبرز العقبات لِتجعل المجهود المؤسسي المبذول لاحقاً ضعيف ، لا يرتقي إلى ما يُمَكِنَهُ أن يخدم عملية التعلم ، نظراً لقلة التقييم والمتابعة لضمان تحقيق المعايير والنتائج الإيجابيّة كهدف وُضِعَ ، لإيجاد حلول جوهريّة مبنيّة على تشخيص دقيق للموضوع محل النقاش عند ظهور الفشل ، فأضحت الإدارات المعنية هياكل لأسماء في مخطط عام لإدارات الوزارة فقط .

وللمُعالجة يجب أن لا نغفل عن المُساهمة التشاركية للأسرة والمجتمع وتكاملها مع مؤسساتنا التعليمية الرسمية ، بعد أن أهْملنا دورًها المحوريً في تشكيل قيم ومعتقدات وسلوكيات أطفالنا، كتقديم التوجيه والتشجيع لهم في مواجهة تحديات الحياة ؛ ومن أهمها في مراحل التعلم الأولى التحديات المعرفية والتعليمية ، وهي تحديات جوهرية مثل مهارات القراءة والكتابة ، ولكن نجد بأنه مجهود مفقود في واقعنا هذا الذي نعيشه اليوم من عقد مضى ، مما يُؤدي إلى جعل المجهود المؤسسي المبذول "ممثل بالمدرسة" ضعيف ، لا يرتقي إلى ما يُمكنهُ أن يخدم عملية التعلم نظراً لقلة مشاركة الأسرة لضمان تحقيق المعايير والنتائج الإيجابية من عملية التعلم لإيجاد حلول جوهريّة لضعف التعلم مبنية على التشارك ، حيث يقع على عاتق الأسرة والمجتمع دور حاسم في تعليم الحروف الأبجدية للأطفال ، كجزء من التهيئة التعليمية واللغوية .

حيث تعد الكتاتيب مؤسسات تعليمية وتربوية أصيلة في المجتمع، ولكن أُهْمِلت بعد فتح المدارس الرسمية فتلاشت ؛ حين كانت تلعب دوراً جوهرياً في تنشئة الأطفال دينياً ولغوياً "نظراً لغيرتها العالية عند الخطأ" من خلال تحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ القراءة والكتابة والخط والحساب ، كركيزة أساسية للحِفاظ على الهوية العربية الإسلامية وتطوير المهارات المعرفية واللغوية للطفل، وتأهيله تربوياً وأخلاقياً لمراحل الحياة الدراسية والعملية .

لذا تظل الكتاتيب كالتي في القرى والحارات منارة للعلم ووسيلة حيوية لحماية النشء ، رغم تطور وسائل التعليم الحديثة ؛ حيث تُساهم في إكساب الطفل مهارات القراءة والكتابة الصحيحة للغة العربية ، كتمهيد للأطفال قبل التعليم الدراسي الرسمي باعتبار الكتاتيب مكاناً لتنمية المهارات اللغوية كالقراءة والكتابة ، والحساب " التأهيل للمدرسة"



انعدمت هذه المؤسسات التعليمية التقليدية ، ففقد التلميذ لغته العربية قراءة وكتابة . السؤال : هل يُمكن تنشيطها لأهميتها لما ذُكر سابقاً ؟ أم إن إهمالها ونسيانها كتراث إنساني حيوي أصبح ضرورة لتجهيل أطفالنا ، ونحن من يظل يبحث في رمال الفيافي عن قطعة فخار باعتبارها إرث تُصنع له الدَّور والإدارات وكروت للتعريف .

وإن كان ولا بُدَّ من نسيانها ، يجب أن يقتصر العام الدراسي الأول بفصليه لِتعلم الحروف الأبجدية صوتاً ورسماً، وأرقام الحساب مناصفة في يوم دراسي طويل وكامل لأطفالنا فقط ، لعام دراسي يمتد لتسعة أشهر من كل عام ميلادي ، تَشَبُهاً بهذه المؤسسات التعليمية التقليدية .

والطرح هذا بهدف تلافي ضعف التأسيس في المرحلة الابتدائية، عند عدم إتباع استراتيجيات تدريس مناسبة ، مثل عدم التكرار والمراجعة الدورية " التعزيز المستمر" للحروف الأبجدية صوتاً ورسماً والتي كانت تتصف بها الكتاتيب ، فتسببت مدارسنا في نسيان الطفل للحروف الأبجدية عند تعلمها لمدة أسبوع من مُدّرِّسَهُ، كأساس معرفي ولغوي يبنى عليه لأثنى عشر مرحلة دراسية لاحقة ، ما هي النتيجة ؟! هذا ما نعيشه في واقعنا التعليمي الصادم .


د.عارف محمد أحمد علي