السبت - 25 أبريل 2026 - الساعة 12:41 م
كان الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، بعد حرب صيف 1994، يتباهى في مجالسه بأنه بات يمتلك “القنبلة النووية”، لا سلاحًا تقنيًا، وإنما موقعًا جيوسياسيًا فريدًا يمنح اليمن قدرة استثنائية على التأثير، فهو يطل على بحر العرب والبحر الأحمر، وتحت قبضته مضيق باب المندب كخنجر يتحكم بأحد أهم ممرات العالم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم كيف انتقل هذا الخنجر الجغرافي: من يد الدولة إلى يد جماعة؟ كيف تحوّلت حركة محلية ظهرت في جبال صعدة مع بدايات الألفية إلى فاعل قادر على تهديد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي؟ كيف خرجت من إطار الاشتباك الداخلي إلى مواجهة عسكرية مع السعودية، ثم إلى استهداف الملاحة في البحر الأحمر، قبل أن تجد نفسها ضمن معادلة اشتباك غير مباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة؟
والأهم كيف أصبحت جماعة لا تمتلك مقومات الدولة قادرة على التأثير في أسعار النفط، وتعطيل سلاسل الإمداد، وفرض حضورها كرقم صعب في حسابات القوى الكبرى؟
هل نحن أمام صعود طبيعي لجماعة مسلحة استثمرت الفوضى، أم أمام نموذج جرى فيه توظيف هذه الجماعة ضمن مشروع أوسع يعيد تعريف الصراع في المنطقة؟ وهل ما نشهده اليوم هو نتيجة أخطاء متراكمة، أم انعكاس لإستراتيجية بعيدة المدى نجحت في تحويل الجغرافيا إلى أداة صراع؟
الإجابة تبدأ من سوء التقدير لعقود، انشغلت القوى الدولية بملف إيران النووي، واعتقدت قوى إقليمية أن بإمكانها إدارة التهديد الحوثي عبر الاحتواء أو التهدئة أو تأجيل المواجهة أو حتى الاسترضاء، هذا النمط من التفكير لم يُقلّص الخطر، بل سمح له بالنمو، في الوقت الذي كانت فيه طهران تعيد صياغة عقيدتها الأمنية، كانت المنطقة تدير الأزمة بعقلية ترحيل المشكلة، وكأن الزمن كفيل بإضعاف التهديد، ما حدث كان العكس تمامًا الزمن منح الحوثي فرصة للتحول.
المعركة لم تكن نووية، بل جغرافية، من يسيطر على الممرات يملك القدرة على الضغط، إيران فهمت هذه الحقيقة مبكرًا، فحوّلت المضائق إلى أدوات نفوذ، ولم تكتفِ بمضيق هرمز، بل عملت على تفعيل باب المندب عبر الحوثي، لتنشأ معادلة خنق مزدوجة تضرب التجارة العالمية من اتجاهين، هذه المعادلة تقوم على فكرة بسيطة وخطيرة… لا حاجة لإغلاق المضائق بالكامل، يكفي جعلها غير آمنة، ورفع كلفة المرور، وإرباك الأسواق.
هنا يتبدّى التحول الأخطر الحوثي لم يعد وكيلًا منفرداً بمقدار ما هي جماعة انتهازية تحاول توظيف كل الظروف الزمنية والحوادث والمتغيرات الدولية والمحلية لمصلحتها بحثاً عن استقلاليتها كفكرة زيدية مذهبية منفصلة عن المذهب الأثني عشري الإيراني، إنما أصبح أداة تشغيل في منظومة خنق عابرة للحدود، من خلاله، انتقلت المعركة إلى البحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح الدولية، وتصبح كل سفينة عابرة جزءًا من معادلة الردع، هذا التحول لم يكن ممكنًا دون بيئة سياسية وأمنية سمحت له بالنمو.
من بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 تحوّل جنوب البحر الأحمر وخليج عدن لنقطة التهاب ساخنة بعد أن قررت جماعة الحوثي ما يسمى بعملية إسناد غزة ضمن سياسات (وحدة الساحات)، سياسات الاسترضاء منحت الحوثي الوقت ليترسخ سياسيًا وعسكريًا، ولينسج شبكة علاقات تمتد عبر القرن الأفريقي، هذه الشبكة، التي تتقاطع فيها جماعات متطرفة وتنظيمات مسلحة، لا تقوم على تحالفات أيديولوجية صلبة بقدر ما تقوم على تقاطع مصالح داخل بيئة فوضوية، من حركة الشباب في الصومال إلى تنظيم القاعدة في اليمن، تظهر خيوط اتصال غير مباشرة، تكشف عن فضاء واحد تتحرك فيه هذه الجماعات، فضاء تغذيه الهشاشة وتغذيه الحسابات الإقليمية المرتبكة.
في هذا المشهد، لعبت بعض القوى السياسية أدوارًا ملتبسة، حين تحوّلت إلى غطاء سمح بإعادة تدوير الفاعلين المسلحين، وجود حزب التجمع اليمني للإصلاح ضمن المعادلة السياسية، مدعومًا إقليميًا، أتاح مساحات رمادية استفادت منها أطراف متعددة، بما في ذلك الحوثي نفسه، رغم التباينات الأيديولوجية، إلا أن هناك تقاطعات عميقة لا يمكن تجاهلها، في مقدمتها العداء للولايات المتحدة ورفض أي مسار سلام مع إسرائيل، هذه التقاطعات خلقت ما يمكن وصفه بتحالفات ضمنية، لا تُعلن، لكنها تعمل على الأرض.
النتيجة أن باب المندب لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح نقطة ارتكاز في شبكة معقدة من العلاقات، تتداخل فيها المصالح الإيرانية مع تحركات جماعات الإسلام السياسي، ومع ديناميكيات القرن الأفريقي، هذا التداخل منح الحوثي قدرة على المناورة، وجعل من الجغرافيا سلاحًا في يده.
تداعيات هذا التحول ظهرت بوضوح؛ مصر، التي تعتمد على قناة السويس كأحد أهم مواردها، تكبّدت في عام 2025 وحده خسائر تُقدّر بنحو 9 مليارات دولار نتيجة اضطراب الملاحة، هذا الرقم يعكس حجم الخلل في تقدير التهديد، ما يحدث في باب المندب لم يعد شأنًا محليًا، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي.
أصبح هرمز مرتبطًا بباب المندب في حرب الـ40 يوم، إيران تلوّح من جهة، والحوثي يضغط من جهة أخرى، في تنسيق غير مباشر يخلق حالة من الاختناق التدريجي، العالم يواجه نموذجًا جديدًا من الصراع، حيث تتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط، دون الحاجة إلى مواجهة شاملة.
هذا الواقع يفرض إعادة تقييم شاملة، لم يعد ممكنًا التعامل مع اليمن كملف ثانوي، أو مع الحوثي كتهديد قابل للاحتواء والاسترضاء، الأزمة الحالية تكشف أن الأمن الإقليمي يبدأ من هذه النقاط التي تم تجاهلها لسنوات.
هنا تبرز أهمية كيانات سياسية كالجنوب العربي وأرض الصومال، باعتبارها أطرًا قادرة على لعب دور في تأمين الملاحة الدولية، موقع هذه الكيانات يمنحها أهمية استراتيجية، تجعلها جزءًا من أي تصور جاد لحماية سلاسل الإمداد، التعامل معها ضمن رؤية واضحة يمكن أن يخلق توازنًا جديدًا، يحد من قدرة الجماعات المسلحة على التحكم في الممرات.
أزمة المضائق في الشرق الأوسط تعيد ترتيب الأولويات، لم يعد ممكنًا التعامل مع القضايا السياسية الكبرى بعقلية التأجيل والترحيل، كل فراغ يتم تركه يتحول إلى فرصة لخصومك، وكل تأخير في الحسم يمنح الآخرين وقتًا لتعزيز مواقعهم.
ما نراه اليوم هو نتيجة منطقية لمسار طويل من الأخطاء، الردع بالحرمان لم يكن كافيًا، والاسترضاء أثبت محدوديته، المطلوب مقاربة جديدة تعيد تعريف التهديد، وتتعامل معه من جذوره.
حين تصبح المضائق سلاحًا، فإن من يملك القدرة على تأمينها يملك مفاتيح الاستقرار العالمي، وحين تتحول الجغرافيا إلى أداة خنق، فإن تجاهلها يعني ترك العالم رهينة لقوى تعرف كيف تستخدمها.
لهذا، لم يكن فشل المفاوضات مفاجئًا، لأن المفاوضات حاولت معالجة ما هو ظاهر، بينما كانت المعركة الحقيقية تُخاض في العمق، في الجغرافيا التي تعلّمت كيف تخنق العالم، هنا لم تعد قضايا الجنوب العربي وصومالي لاند هوامش إنما مفاتيح للحلول السياسية المستدامة، لا خيارات مضمونة لتشكيل منظومة أمنية سوى بضم عدن وهرجيسا ضمن نطاق أمني شرق أوسطي مبتكر.