كتابات وآراء


الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - الساعة 12:33 م

كُتب بواسطة : يعقوب السفياني - ارشيف الكاتب




نجحوا، لا في بناء مشهدٍ حقيقي، بل في رسم لوحةٍ ساخرة مكتملة التفاصيل؛ لوحة تُعلّق على جدارٍ الوهم كأنها تمثّل الحقيقة، وهي في جوهرها مجرد كاريكاتير رديء مُبالغ فيه، خطوطه حادّة، وألوانه فاقعة، ووجوهه مشدودة إلى أقصى درجات التهكّم. كأن رسّامًا ما، جلس يرسم الجنوبيين لا كما هم، بل كما يريد أن يرانا الآخرون: رعاع يركضون خلف المال والمصالح الشخصية، يتزاحمون على فتات الموائد، تتنازعهم المسميات كما تتنازع الريحُ أوراقًا يابسة.

نجحوا في أن يجعلوا من بعض النماذج واجهةً، لا لتمثيل واقعٍ متنوع ومعقّد، بل لاختزاله في أسوأ صوره الممكنة. صدّروا إلى المشهد عاهات كما تُصدَّر السلع الرديئة إلى الأسواق الفقيرة، مع تغليفٍ لامع يخفي العطب والخلل في الداخل. فبدت الحكاية، في أعين الخارج، وكأنها مسرحٌ هزلي، قيادات تُرصّ كقطع الشطرنج على طاولات فاخرة زاخرة بالتمور والحلويات والأواني الذهبية، ووجوهٌ كانت تُقدَّم يومًا كرموز، فإذا بها تتحول إلى تفاصيل في مشهدٍ أكبر، تُدار فيه الإيماءات أكثر مما تُصاغ فيه القرارات.

وأربعة أشهر… أربعة أشهر كاملة، لم تكن زمنًا للحوار الجنوبي المفترض، بل زمنًا لتخمير هذه اللوحة. كأن الرسام كان يحتاج إلى وقتٍ إضافي ليُكمل الظلال، ليبالغ في الملامح، ليجعل الانقسام أكثر وضوحًا، والارتباك أكثر صخبًا. تشاور بلا عتبة، بلا لجنة تحضيرية، بلا بداية حقيقية… فكيف سيكون شكل النهاية؟ أهي حكاية تُكتب، أم دائرة تُعاد، أم زمن يُستهلك حتى يفقد معناه؟

نجحوا في أن يقدّموا هذه الصورة إلى الخارج، كأنها الواقع المخزي لما نحن عليه. صورة تتقدّم فيها النماذج الأكثر ضجيجًا، وتغيب فيها التعقيدات، ويُختزل فيها المشهد في مشهدٍ واحد، سباقٌ نحو الماديات، وتنافسٌ على القرب، وانقسامٌ يتكاثر كمرآةٍ مكسورة تعكس آلاف الوجوه ولا تُظهر وجهًا واحدًا مكتملًا.

نجحوا… ويا للأسف، لم يكن النجاح هنا إنجازًا بقدر ما كان خدعةً بصرية متقنة. لوحة ساخرة أُنجزت بإتقان، وعلّقت أمام العالم، بينما الحقيقة—بكل ما فيها من عمقٍ وتعقيد—أُزيحت إلى الخلف، كأنها تفصيلٌ غير ضروري، وهامش في رواية هزلية تباع بلا عنوان وبلا مؤلف على قارعة الطريق.

#يعقوب_السفياني