الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 12:23 م
في التجارب السياسية الحديثة، لم يعد الدستور مجرد وثيقة قانونية تنظم السلطة، بل أصبح تعبيرًا عن توازن اجتماعي–سياسي واسع يحدد مدى استقرار الدولة وشرعيتها. ومن هذا المنطلق، تبرز إشكالية جوهرية في السياق الجنوبي تتعلق بطبيعة “البيان الدستوري” القائم وحدود قدرته على إنتاج شرعية جامعة، في ظل غياب مشاركة واسعة لمختلف المحافظات والمكونات.
إن أي نص تأسيسي يُصاغ من مركز سياسي واحد، مهما كانت نواياه أو مشروعيته السياسية، يظل محاطًا بإشكال بنيوي يتمثل في ضعف التمثيل التأسيسي. فالدساتير، في جوهرها، ليست مجرد قرارات فوقية، بل هي عقد اجتماعي يتطلب مشاركة الأطراف المعنية كافة في صياغته. وعندما يغيب هذا البعد التشاركي، يتحول النص الدستوري إلى إطار ناقص الشرعية، قابل للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو اجتماعي.
في الحالة الجنوبية، يواجه البيان الدستوري القائم إشكالية مزدوجة:
من جهة، هو يعبر عن رؤية سياسية لفاعل مركزي يسعى إلى تنظيم المرحلة الانتقالية.
ومن جهة ثانية، يفتقر إلى قاعدة توافقية شاملة تشمل المحافظات ذات الخصوصيات الجغرافية والسياسية المختلفة، وهو ما يضعف قدرته على التحول إلى مرجعية دستورية ملزمة للجميع
و من هذا المنطلق ،يبرز التحدي الحقيقي أمام المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه الفاعل الأكثر حضورًا في المشهد، والمتمثل في الانتقال من إدارة “المرحلة السياسية” إلى قيادة “المرحلة التأسيسية”. فالمسؤولية هنا لا تتعلق فقط بصياغة رؤية سياسية، بل بإعادة فتح النقاش حول البيان الدستوري نفسه، بما يسمح بإدخال المحافظات والمكونات المختلفة في عملية التعديل والتأسيس.
.
من منظور القانون الدولي، فإن أي مشروع سياسي يسعى إلى تثبيت نفسه ككيان قابل للاستمرار، يجب أن يُظهر مستوى من التماسك المؤسسي والتعدد التمثيلي، خاصة في ما يتعلق بمبدأ تقرير المصير. فالمجتمع الدولي لا ينظر فقط إلى الخطاب السياسي، بل إلى مدى وجود عقد دستوري يعكس الإرادة العامة، لا إرادة مركز واحد.
إن غياب إشراك المحافظات في تعديل هذا البيان الدستوري يخلق فجوة بين “النص السياسي” و“الواقع الاجتماعي”. هذه الفجوة لا تؤدي فقط إلى إضعاف الشرعية الداخلية، بل تحد أيضًا من قدرة أي مشروع سياسي على تقديم نفسه كبديل مستقر وقابل للحياة. فالدولة، في المفهوم الحديث، لا تُبنى على التمثيل الأحادي، بل على التوافق التعددي الذي يضمن مشاركة الفاعلين كافة في صياغة القواعد الأساسية.
إن إشراك المحافظات في إعادة صياغة البيان الدستوري لا يمثل تنازلاً سياسيًا، بل هو شرط ضروري لتحويله من وثيقة مركزية إلى عقد تأسيسي جامع. فكل محافظة تمثل وحدة اجتماعية وتاريخية، وإقصاؤها أو تهميشها في مرحلة التأسيس يخلق اختلالًا في بنية الدولة المستقبلية، مهما كانت قوة النصوص الدستورية من الناحية النظرية.
وعليه، فإن حدود البيان الدستوري الجنوبي الحالي لا تتعلق فقط بمضمونه، بل بآلية إنتاجه. فالنصوص الدستورية التي لا تُبنى على قاعدة مشاركة واسعة تظل محدودة الفاعلية، مهما بدت متماسكة شكليًا. أما حين يُعاد إنتاجها ضمن عملية تشاركية شاملة، فإنها تتحول إلى أداة تأسيس حقيقية قادرة على دعم مشروع الدولة.
إن الإشكال الجوهري في البيان الدستوري الجنوبي لا يكمن فقط في نصه، بل في كونه نتاجًا لمركز واحد. وتجاوزه لا يكون بإلغائه، بل بإعادة فتحه على المحافظات والمكونات كافة، بما يحوله من وثيقة سياسية محدودة إلى عقد دستوري جامع. فالدولة لا تُؤسس بالنصوص المنفردة، بل بالتوافق الواسع الذي يمنح هذه النصوص قوتها وشرعيتها واستمراريتها