أخبار وتقارير

الخميس - 29 يناير 2026 - الساعة 02:18 ص بتوقيت اليمن ،،،

خالد بن صالح


وفقا للخطاب المؤسس لحركة التحرر جنوبا وشمالا لا زالت جمهورية القيم المشتركة مؤجلة عالقة مرهونة بتمام انجاز قضية ثورتي سبتمبر وأكتوبر التاريخية العادلة في تقديم المعالجات الجذرية لرواسب ومخلفات قرونا من الطائفية الإمامية شمالا والمناطقية جنوبا كـ مقدمات لتأسيس خارطة طريق صناعة المشروع الوطني الجمهوري لليمن الواحد الحديث.

داءُ الإمامة الطائفي، الممتدّ لما يقارب ألفًا ومئتي عام منذ بداية وجوده ، لا يزال يلقي بثقله ورواسبه على المشهد شمالا ، حتى الحزبية، مهما اتخذت من عناوين مختلفة، لم تخلُ من تلك الرواسب.
ورغم أن ثورة أيلول المجيدة وُصفت بأنها �ثورة الألف عام� لمعالجة هذا الداء معالجةً جذرية، إلا أن الموروث كان أكثر تجذرًا، وسرعان ما أعاد ترتيب صفوفه، لينتقل بصور مختلفة إلى قلب جمهورية 26 سبتمبر منذ بدايات عهودها، وقاد المشهد الوطني شمالا بشروطه وتأويلاته. ثم وثب بذات الشروط والموروثات والتأويلات إلى قلب جمهورية الوحدة، وأخذ يعيد تشكيلها وفق تصوراته وتعريفاته، من خارج خطابنا الوطني الجمهوري التحرري المشترك (26 سبتمبر و14 أكتوبر)، بكل ما يمثله هذا الخطاب من قيم ومبادئ وأهداف وطموحات ومعانٍ وتعاريف مؤسسة لمشروع اليمن الجمهوري الموحد.

وعليه، تداعت التداعيات، وأُفرزت الإفرازات، دون أن تُجابه بمعالجات تعيد ضبط المسار وفق الخطاب التاريخي المشترك المؤسِّس لليمن الحديثة. فتطبّعت هذه التداعيات والإفرازات لتتحول إلى قضايا ومسارات أكثر حضورا وتعقيدا، تتنافس على منازعة الدولة المعنى والخطاب والشرعية. فالمترسّب الذي علق في جسد جمهورية الثورة منذ بدايات عهدها، دون أن تطاله أي معالجة، ضمن البقاء لمخلّفات الإمام، وأعاد إليها أمل العودة مستقبلا. وهو ذاته المترسّب الذي انتزع جمهورية سبتمبر وأكتوبر (الوحدة) من مرجعيتها، وأعاد تعريفها بتأويلات موروثة مثّلت انتكاسة للمشتركات، لقيم الجمهورية، ولنضالات الثورتين، لكنها في الوقت نفسه مثّلت محطة متقدمة لمخلّفات الإمامة والمناطقية والأنشطة الأصولية الحزبية والجماعات الانغماسية.



أما داء الجنوب، فهو داء المناطقية، وهو ليس وليد اليوم، بل يمتدّ لقرون. بدأ تشكّله منذ سقوط الدولة الطاهرية في عدن عام 1538م على يد الاحتلال التركي. وكانت تلك الدولة بقايا حكم شمل عدن ولحج وأبين ويافع وبني أرض وبعض المناطق الشرقية، بعد سقوط أجزائها الشمالية واغتيال سلطانها عامر عبدالوهاب في صنعاء عام 1517م على يد الاحتلال المملوكي–الإمامي بقيادة حسين كردي وشرف الدين.

في زمن الاحتلال التركي الأول، نشطت بعض السلطنات والمشيخات، وانغلقت ضمن مناطقها وقبائلها، مثل الكثيرية والمهرية والواحدية في الشرق، والفضلية والعولقية والرصاصية والعوذلية واليافعية والأميرية ودثينة في الغرب. ومع نهاية الوجود التركي الأول، برز اسم حسين عبدالقادر السليماني كثائر ضد الأتراك، قاد ثورة منذ عام 1620م حتى جلاء الأتراك من أبين وعدن ولحج ويافع والضالع، وأقام دولته عام 1630م. غير أن أبين وعدن ولحج سقطت مطلع 1645م بيد الدولة القاسمية، وسقطت يافع وبني أرض (البيضاء) ومناطق الأجعود (ردفان، حالمين، الضالع) عام 1655م.

تمكّنت الدولة الإمامية، ولأول مرة في تاريخ وجودها، من حكم اليمن كاملا، من عسير شمالا إلى ظفار شرقا، في منتصف القرن السابع عشر بقيادة الإمام إسماعيل بن القاسم. وكان دخول المناطق المتعصية المقاومة، كبلاد الأجعود ويافع وبني أرض، عام 1655م، إيذانًا باكتمال هذا الحكم. ومن هذه المناطق ذاتها انفجرت أول ثورة في وجه الأئمة عام 1681م، أي بعد نحو 25 عامًا فقط، بدأت من يافع، وامتدت إلى جيرانها الأجعود (الضالع، حالمين، ردفان)، ثم إلى المشارقة بني أرض (البيضاء) وجبل مراد، وتوسعت إلى بني عوذلة ودثينة والفضلي والعولقي، وشرقًا إلى حضرموت والمهرة. في حين تعذّر الوجود الإمامي في عدن ولحج حتى عام 1728م، حين خرج منها إثر تحالف يافع مع قبائل لحج، لتتأسس السلطنة العبدلية.

تطلّب إخراج الإمامة من يافع وجوارها القبلي عشر سنوات من القتال منذ 1681م، وعشر سنوات أخرى لإخراجها من المناطق الشرقية، وخمسين عامًا من الحروب السجال لإخراجها من عدن ولحج. كانت يافع أول منطقة تتحرر عام 1681م، وتوالى التحرير حتى كانت آخر معركة في لحج وعدن عام 1728م. ومنذ ذلك الحين توقفت الاشتباكات، وتشكلت جغرافيا نفوذ وحدود بين الإمامة والسلطنات استمرت أكثر من قرن. وكانت جغرافيا السلطنات، قبل الاحتلال البريطاني، أوسع من خارطة الجنوب اليوم، إذ شملت آنذاك البيضاء وجبل مراد ومناطق من الساحل الغربي.

الملاحظ في تلك الحقبة الطويلة، الممتدة من 1681م حتى احتلال بريطانيا لعدن عام 1839م، أن القبائل الجنوبية كانت تجتمع في تحالفات حرب عند تهديد الإمامة، ثم تعود، بعد انتهاء الخطر، كلٌّ إلى منطقته وقبيلته، دون تدخل في شؤون الأخرى، مع وجود اتفاقات مصالح وجوار. لم تكن لدى أي سلطنة طموحات توسعية، بخلاف أسر معاصرة لها آنذاك، كآل بوسعيد في عمان، وآل سعود في نجد، والأئمة في صنعاء. ورغم أن بعضها كان له حضور واسع، وخاض حروبًا ضد القاسمية أشد من تلك التي واجهتها الأسر الطموحة في عمان ونجد، إلا أن تلك المواجهات كانت في جوهرها فزعات دفاعية ونصرة مذهبية. وحين تنتهي، يعود الجميع إلى حدودهم القبلية المناطقية. هكذا تأسست الحساسية المناطقية وتجذّرت، ثم جاء الوجود البريطاني ليستثمرها ويعمّقها بسياسة �فرّق تسد� على مدى 129 عامًا.



منذ مطلع الستينيات، حاولت حركة التحرر الوطنية، ممثَّلة بتنظيم الجبهة القومية، تجاوز هذه الحساسيات المناطقية الموروثة، عبر اختراق البنى الاجتماعية التقليدية واستقطاب رعاياها إلى صفوف التنظيم. وحققت في ذلك نجاحات مذهلة في غرب الجنوب وشرقه، ومثّلت عاملًا حاسمًا في انتصار الثورة، بخلق جبهة واحدة منظمة بقرار واحد وراية واحدة وهدف واحد وقيادة واحدة، من أقاصي الشرق إلى أقاصي الغرب، صانعة تحريرًا ناجزًا واستقلالًا كاملًا في 30 نوفمبر 1967م، تحت عنوان تاريخي مجيد: �جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية�.

وكان من أولويات هذه الجمهورية الوليدة تقديم معالجات جذرية لإشكاليات المناطقية الموروثة، عبر فرض تقسيم إداري جديد يلغي خارطة البنى القبلية التقليدية وحساسياتها. فاستُحدثت ست وحدات إدارية (محافظات) تضم جميع مناطق الجمهورية:
الأولى: عدن، الثانية: لحج، الثالثة: أبين، الرابعة: شبوة، الخامسة: حضرموت، السادسة: المهرة.
وبموجب هذا التقسيم، أصبح جميع أبناء الشعب مواطنين متساوين، وأُلغيت الولاءات لغير الدولة، وكل الألقاب الموروثة من قبيل: سيد، سلطان، شيخ، قبيلي… لصالح المواطنة وحدها.

ورغم هذا الجهد الجبار في معالجة داء المناطقية، ظل شبحه يحاول إعادة إنتاج نفسه عند كل محطة صراع في عمر الجمهورية القصير (23 عامًا). وكانت هذه الجمهورية بحاجة إلى وقت أطول من الاستقرار والسيادة لاستكمال برامج حركة التحرر وتحقيق أهدافها في بناء المجتمع الحديث والدولة الوطنية الحديثة.

وفي الوقت الذي كانت فيه اليمن الديمقراطية تناضل لمعالجة داء المناطقية، كان النظام في الشمال، منذ 30 نوفمبر 1967م، يستقطب أنصار البنى التقليدية القبلية والدينية من سلاطين وسادة ومشايخ، ويعيد تنظيمهم وتمويلهم كجبهة معارضة موجّهة ضد ثورة الجنوب. وكانت تلك سياسة رسمية تدين التغيير الذي طال الموروث القبلي والمذهبي في الجنوب، وتحرض مخلفاته وتعدها بإعادته.



ويكشف هذا الاختلاف المبكر بين مساري الثورتين طبيعة الإشكاليات التاريخية التي أسست لتداعيات ستة عقود لاحقة. فالأصل في الثورتين هو خطاب تحرري واحد قائم على قيم مشتركة؛ غير أن إحداهما واجهت داءً طائفيًا عمره ألف عام، بينما واجهت الأخرى قرونًا من المناطقية. وكان يفترض أن تفضي هذه المعالجات إلى واقع جمهوري حديث يشكّل المرجعية القيمية لمشروع وحدوي مستقبلي، تُبنى عليه وحدة 1990م.

لكن الواقع جاء مختلفًا؛ إذ انتقلت في الشمال بنى ما قبل الثورة إلى قلب الجمهورية، مكوّنة عطبًا تأسيسيًا مبكرًا، انحاز بطبيعته للبنى التقليدية القبلية والدينية والسلالية، وأعاد تأويل الثورة والجمهورية بما يخدمها. وتشكلت بيئة حاضنة للأنشطة الدينية الحزبية، من إخوان وسلفية وزيدية، اجتمعت – رغم اختلافاتها – على خطاب تكفيري ضد الثورة والنظام الجمهوري التقدمي في الجنوب.

وفي المقابل، لم تخلُ جمهورية تشرين من اختلالاتها؛ من صراعات رفاق النضال، وتطرف في تطبيق التجربة، وانشغال بقضايا خارجية على حساب البناء الداخلي، وعزلة دولية، ما جعل الدولة عرضة للاختراق والمؤامرات، حتى وصلت إلى لحظة إنهاك شامل، تزامنت مع اندفاع علي سالم البيض نحو الوحدة بأي ثمن، بما في ذلك التنازل عن مؤسسات الدولة وسيادتها، لصالح وحدة محاصصية، اتضح لاحقًا أنها سلّمت الجنوب لبنية نظام شمالية تعاني عطبًا تاريخيًا بنيويًا.



ومن تداعيات وحدة 1990م، جاءت حرب 1994م، ثم تداعياتها الممتدة حتى اليوم. فقد جعلت بنية النظام المتغلبة من حرب 94 السردية الوطنية للوحدة، وأهملت المرجعيات الحقيقية لها: سبتمبر وأكتوبر. وكان هذا الإهمال بمثابة فتح الطريق لعودة المخلفات الإمامية، التي تجلّت بوضوح منذ 21 سبتمبر 2014م، وهي تقيم دولتها الإمامية الانفصالية جوهريا عن اليمن الجمهوي الحديث ، وإن ارتدت مظاهر الجمهورية اليمنية .

واليوم، في عام 2026م، لا تزال الجراح مفتوحة، والتداعيات مستمرة بلا معالجات حقيقية. ولا يزال خطاب البنية المتغلبة، ذاته خطاب ما بعد 7/7/1994م، حاضرا وفاعلا، ينكر الإشكاليات التاريخية، ويغذي المناطقية والنعرات القبلية، بسياسات لا تختلف جوهريا عن �فرّق تسد� الاستعمارية.

ولا سبيل للخروج من هذا المأزق، إلا بإعادة قراءة جادة للتاريخ، والاعتراف باختلالاته كما هي، ثم الشروع في معالجات تنطلق من المرجعيات المشتركة لقيم الجمهورية وأهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر. وما عدا ذلك، ليس سوى استهلاك للوقت، وإعادة إنتاج للفشل.

ختاما

إن ما آلت إليه الأوضاع في اليمن، شمالا وجنوبا نتيجة تاريخ طويل من الاختلالات المؤجلة، والعطب غير المعالج ، والانفصال المتكرر عن المرجعيات المؤسسة لمشروع الدولة الجمهورية الحديثة. لقد جرى استهلاك الزمن في تدوير الأزمات ، وفي إعادة إنتاج البنى التي ثارت عليها الشعوب.

إن الخروج من هذا المأزق التاريخي لا يمكن أن يتحقق عبر سرديات الغلبة، ولا عبر إنكار الجراح، ولا من خلال إعادة إحياء العصبيات الطائفية أو المناطقية تحت أي مسمى. كما لا يمكن أن يتم عبر شرعنة الأمر الواقع أو التعايش مع نتائج الانقلابات على المعنى الجمهوري، أكانت هذه الانقلابات مغطاة بالدين، أو القبيلة، أو الوحدة، أو حتى باسم الدولة ذاتها.

إن الطريق الوحيد الممكن يبدأ بإعادة الاعتبار للمرجعيات الوطنية المؤسسة: قيم وأهداف ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، بوصفهما مشروع تحرر وطني واحد، لا يقبل التجزئة ولا التأويل الانتقائي. ويبدأ كذلك بالاعتراف الصريح بالاختلالات التاريخية في الشمال والجنوب على حد سواء، والتمييز الواضح بين الدولة كمفهوم جامع، وبين البنى التي اختطفتها وأفرغتها من مضمونها.

إن معالجة داء الإمامة لا تكون بشعارات شكلية ولا بمظاهر جمهورية مفرغة، كما أن معالجة داء المناطقية لا تكون بإعادة إنتاجها سياسيا أو أمنيا ، بل بتأسيس عقد وطني جديد، يقوم على المواطنة المتساوية، ودولة المؤسسات، وسيادة القانون، وحياد الدولة تجاه الدين والمذهب والمنطقة، واحترام التعدد ضمن إطار وطني جامع.

وإن أي مشروع سياسي لا ينطلق من هذه الأسس، ولا يعيد ضبط المعنى والخطاب والشرعية وفق المرجعيات الجمهورية المشتركة، سيظل مشروعا مؤقتا هشا ، قابلا للانهيار عند أول اختبار. كما أن أي #تسوية قادمة لا تخاطب جذور الأزمة، ستعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة، وربما أكثر عنفا وتعقيدا

إن مسؤولية هذه اللحظة التاريخية تقع على عاتق الجميع: نخبا سياسية وفكرية، وقوى اجتماعية، وأجيالا جديدة لم تعش لحظات التأسيس لكنها تدفع اليوم ثمن اختلالاتها. والمسؤولية تقتضي شجاعة الاعتراف والصدق مع التاريخ قبل المزايدة عليه .

فإما أن يُستعاد المشروع الجمهوري بوصفه مشروع دولة حديثة جامعة، أو سيظل اليمن أسير دوامة لا تنتهي من الصراعات، تبدل فيها الأسماء والرايات، بينما يبقى الجوهر واحدا : دولة غائبة، ومعنى مُصادر ، ومستقبل مؤجَّل.