أخبار وتقارير

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 09:34 م بتوقيت اليمن ،،،

د. علي ناصر سليمان الزامكي



يمثل الحوار الجنوبي–الجنوبي محطة سياسية مفصلية، ليس فقط لترتيب البيت الجنوبي من الداخل، بل لبناء رؤية مشتركة يمكن أن تشكل أساسًا صلبًا لأي حوار وطني شامل أو استحقاقات سياسية لاحقة تخص اليمن من أقصاه إلى أقصاه، غير أن نجاح أي حوار سياسي، مهما بلغت درجة التوافق فيه، يظل مهددًا ما لم يسند برؤية اقتصادية واقعية تعالج جذور المعاناة اليومية للمواطنين.

لقد أفرزت سنوات الصراع واقعًا اقتصاديًا شديد التعقيد، تمثل في انقسام مالي ونقدي ومصرفي، وتعدد المرجعيات، واختلال السياسات، وتراجع الثقة بالعملة الوطنية والمؤسسات المالية، هذه الاختلالات لم تعد مسألة فنية بحتة، بل تحولت إلى عامل ضغط اجتماعي وسياسي، وأسهمت في تعميق الأزمات المعيشية وارتفاع الأسعار وتعطل المرتبات والتحويلات، والتي سعت مملكة الحزم والأمل إلى معالجات مباشرة فيها.

من هنا تبرز أهمية أن يتعامل الحوار الجنوبي–الجنوبي مع الملف الاقتصادي بوصفه رافعة للتوافق السياسي، لا عبئًا مؤجّلًا، فالاقتصاد ليس نتيجة للسلام فقط، بل شرط من شروطه، وأداة لبناء الثقة بين المكونات المختلفة، ورسالة طمأنة للمواطن قبل أي طرف آخر، فإدراج موجهات مالية ونقدية واضحة ضمن مخرجات الحوار لا يعني الخوض في تفاصيل تقنية معقدة، بل يعني الاتفاق على مبادئ حاكمة وإجراءات انتقالية تقلل من حدة الانقسام وتمنع القرارات الأحادية وتؤسس لمسار أكثر استقرارًا، ويتجلى ذلك في ضرورة تحييد الملف المالي والنقدي عن التجاذبات السياسية والتعامل معه كملف فني انتقالي يخدم الجميع دون استثناء، واعتماد الحلول المرحلية والمتدرجة بدل المقاربات الصفرية التي ثبت فشلها وتكلفتها الباهظة، وحماية مصالح المواطنين والمودعين باعتبارهم الأكثر تضررًا من الانقسام وضمان استمرار صرف المرتبات والخدمات الأساسية، إلى جانب تعزيز الشفافية والحوكمة في إدارة الإيرادات والإنفاق العام بما يعيد قدرًا من الثقة المفقودة، والاستفادة من الضمانات والدعم الإقليمي المقدم من التحالف العربي بقيادة مملكة الحزم والأمل، المملكة العربية السعودية لضمان نجاح أي ترتيبات انتقالية.

وعلى المستوى العملي يمكن للحوار أن يخرج بتوصيات واضحة، أبرزها إنشاء آلية نقدية انتقالية مؤقتة، وتشكيل لجنة مالية ونقدية ومصرفية فنية مشتركة، وتفعيل قنوات تسوية مصرفية محايدة تضمن استمرار التحويلات والتجارة، إضافة إلى إنشاء إطار مؤقت لإدارة الإيرادات وتوجيهها نحو المرتبات والخدمات الأساسية.

الأهم من ذلك أن هذه الرؤية الاقتصادية لا ينبغي أن تفهم على أنها موجهة للجنوب وحده، بل كجزء من تهيئة وطنية شاملة تفتح الطريق أمام استقرار اقتصادي يمتد شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا ووسطًا، ويُسهم في تخفيف حدة التوترات، ويعزز فرص السلام في اليمن والمنطقة الإقليمية ككل.

إن الرهان الحقيقي للحوار الجنوبي–الجنوبي لا يكمن فقط في حجم التوافقات السياسية التي يحققها، بل في قدرته على تقديم نموذج مسؤول في إدارة الملفات الحساسة، وفي مقدمتها السياسة المالية والنقدية باعتبارها عمودي بناء الاقتصاد الوطني، وعندما يشعر المواطن بأن الحوار انعكس تحسنًا في معيشته واستقرارًا في دخله وخدماته، فإن ذلك سيكون أعظم شهادة نجاح لأي عملية سياسية، وأقوى تمهيد لحوار وطني شامل ومستقبل أكثر استقرارًا لليمن.

وكما أُشير سابقًا، سيكون لنا مقال علمي لاحق على شكل مداخلة مقترحة لموجهات السياسة المالية والنقدية لمعالجة الانقسام المالي والمصرفي كإطار داعم لمخرجات الحوار الجنوبي–الجنوبي.


• أستاذ الإدارة المالية المشارك، مساعد نائب رئيس جامعة عدن لشؤون الطلاب