عرب وعالم

الخميس - 01 أكتوبر 2026 - الساعة 06:16 م بتوقيت اليمن ،،،

أنقرة


لا يبدو إصرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على صياغة دستور جديد مجرد محاولة لإغلاق صفحة دستور وُلد في أعقاب انقلاب 1980، بل يفتح أيضا نقاشا سياسيا أكثر حساسية يتعلق بقواعد تداول السلطة ومستقبل الرئاسة في تركيا، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات المقررة في 2028.

ومع عودة البرلمان التركي إلى العمل، وضع أردوغان الدستور الجديد في مقدمة الملفات السياسية، داعيا إلى البدء فعليا في إعداد دستور مدني يليق بما يسميه «قرن تركيا»، ومعتبرا أن هذه العملية ستكون اختبارا لمدى جدية مختلف الأطراف في التوصل إلى توافق سياسي. ويأتي ذلك فيما كان حزب العدالة والتنمية الحاكم قد قطع أشواطا في إعداد مسودة أولية للدستور.

ويقدم أردوغان وحزبه المشروع باعتباره حاجة تتجاوز شخص الرئيس والحسابات الانتخابية، إذ يركز الخطاب الرسمي على التخلص من إرث دستور 1982 وإعداد نص أكثر مدنية وشمولا، فيما يقول رئيس البرلمان نعمان كورتولموش إن تركيا بحاجة إلى دستور يعكس جميع مكونات المجتمع ويستند إلى الحقوق والحريات والتوافق السياسي.

لكن توقيت إعادة فتح الملف يجعل البعد الانتخابي حاضرا بقوة في النقاش. فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة مقررة في مايو 2028، فيما تشير القواعد الحالية إلى أن أردوغان، الذي انتُخب في 2018 ثم أعيد انتخابه في 2023، يواجه قيودا على الترشح لولاية ثالثة في الموعد العادي. وفي المقابل، يسمح الدستور بفتح الطريق أمام ترشحه مجددا إذا قرر البرلمان تجديد الانتخابات قبل انتهاء ولايته، وهو ما يتطلب موافقة 360 نائبا.

وهنا تبرز المفارقة السياسية التي تجعل مشروع الدستور الجديد أكثر من نقاش قانوني. فإعادة صياغة قواعد الرئاسة يمكن، من حيث المبدأ، أن تعيد تعريف شروط الترشح وعدد الولايات أو طريقة احتسابها، بما يغير الإطار الذي ستجري في ظله انتخابات 2028. لكن ذلك لا يعني أن هذا هو الهدف المعلن من المشروع أو أن هناك نصا نهائيا يثبت أنه صُمم لمنح أردوغان ولاية إضافية.

وتزداد حساسية المسألة بسبب حاجة أي تعديل دستوري واسع إلى توافقات تتجاوز تحالف الشعب الحاكم. فتمرير دستور جديد داخل البرلمان من دون استفتاء يتطلب 400 صوت، بينما يحتاج طرح التعديل على استفتاء إلى 360 صوتا. وتشير المعطيات الحالية إلى أن التحالف الحاكم لا يمتلك وحده هذه الأغلبية، ما يجعل التفاوض مع قوى سياسية أخرى أمرا ضروريا إذا أرادت الحكومة تحويل مشروعها إلى نص نافذ.

ولا تخفي مواقف حلفاء أردوغان أن مسألة الولاية المقبلة باتت جزءا من الحسابات السياسية. فقد أعلن رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي في سبتمبر أن حزبه سيدعم أردوغان في الانتخابات المقبلة، مشيرا في الوقت نفسه إلى إمكانية تقديم موعد الانتخابات عبر الآلية الدستورية الخاصة بتجديدها. لكن حزب العدالة والتنمية نفى أن تكون تصريحات أردوغان بشأن الاستعداد للانتخابات إشارة إلى انتخابات مبكرة.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال حول الدستور الجديد مزدوجا: هل تريد أنقرة بالفعل إعادة بناء الإطار الدستوري على أساس مدني أكثر اتساقا مع التحولات التي عرفتها تركيا منذ الانتقال إلى النظام الرئاسي، أم أن إعادة ترتيب قواعد الحكم يمكن أن توفر في الوقت نفسه مخرجا لمسألة الولاية الرئاسية؟

وتاريخ المسألة يظهر أن الحديث عن دستور جديد ليس طارئا على حكم أردوغان. فقد ظل حزب العدالة والتنمية يدفع بهذا الملف منذ سنوات، وربطه بإعادة صياغة مؤسسات الدولة وتثبيت النظام الرئاسي الذي أقر بعد استفتاء 2017. وفي فبراير الماضي، أفادت تقارير تركية بأن لجنة داخل الحزب استكملت إلى حد كبير الإطار العام لمسودة جديدة، على أن تُطرح لاحقا للنقاش مع الأحزاب الممثلة في البرلمان.

لكن الطريق أمام المشروع لا يبدو قانونيا فقط، بل سياسيا أيضا. فالمعارضة مطالبة عمليا بأن تقرر ما إذا كانت ستدخل في مفاوضات حول نص جديد، وما إذا كانت مشاركتها يمكن أن تضمن تعديلات أوسع على نظام الحكم، أم أن مشاركتها قد تمنح المشروع شرعية من دون تغيير جوهري في توازن السلطات.

وبالنسبة إلى أردوغان، فإن معركة الدستور تأتي في مرحلة يريد فيها حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه تثبيت مشروعهم السياسي لعقود مقبلة. وقد تحدث الرئيس في أغسطس عن رؤية للحزب تمتد إلى 2053 و2071، ووضع الدستور الجديد ضمن محاور تلك الرؤية.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمشروع لن يكون في صياغة عبارة «دستور مدني» فقط، بل في مضمون النص الذي ستقدمه أنقرة وفي الطريقة التي سيعالج بها توازن السلطات وقواعد الانتخابات والولاية الرئاسية. وبينما تقول الحكومة إن الهدف هو دستور جديد لتركيا، ستبقى المعارضة والرأي العام أمام سؤال أكثر تحديدا: هل سيعيد الدستور المقترح ترتيب قواعد الدولة، أم سيعيد أيضا ترتيب الطريق السياسي أمام أردوغان؟

وفي انتظار اتضاح المسودة النهائية، يصعب حسم الإجابة. لكن المؤكد أن فتح الملف قبل انتخابات 2028 يجعل قواعد الرئاسة والولاية المقبلة جزءا لا يمكن فصله عن النقاش الدستوري، حتى لو لم تكن هذه المسألة هي الهدف المعلن للمشروع.