أخبار اليمن

الخميس - 01 أكتوبر 2026 - الساعة 01:01 م بتوقيت اليمن ،،،


يدخل التصعيد العسكري في اليمن مرحلة مختلفة مع اتساع نطاق العمليات على أكثر من جبهة، بالتزامن مع تحرك حكومي لرفع الجاهزية والتعبئة، ودعم سعودي متجدد للحكومة اليمنية. وتوحي هذه التطورات بأن الهدف لا يقتصر على الرد على الهجمات الحوثية، وإنما يتجه إلى رفع كلفة المواجهة على الجماعة وإضعاف قدراتها العسكرية تدريجيا، خصوصا في الجبهات ذات الأهمية الاستراتيجية.

ولا يعني ذلك أن اليمن يتجه حكما إلى حرب مفتوحة، لكن تزامن العمليات العسكرية مع إجراءات سياسية وعسكرية داخل معسكر الحكومة يطرح سؤالا حول ما إذا كانت المرحلة الحالية تمثل محاولة لتغيير ميزان القوة على الأرض بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي.

وأعلن المتحدث باسم القوات الحكومية ماجد النزيلي تنفيذ 468 عملية استهداف ضد عناصر وعتاد الحوثيين في الجبهة الشرقية والبيضاء وجبهة المنصورة في الوازعية بمحافظة تعز، قائلا إن العمليات أدت إلى مقتل وإصابة المئات وتدمير معدات وآليات. وهذه الأرقام، شأنها شأن معظم بيانات أطراف الحرب، لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.

اللافت في طبيعة العمليات المعلنة أنها لا تركز فقط على خطوط التماس، وإنما تستهدف عناصر يمكن أن تؤثر في القدرة العملياتية للحوثيين، من مدفعية وتعزيزات ومخازن ذخيرة ومعدات عسكرية.

وفي تعز، أعلنت القوات الحكومية استهداف مدفع عيار 120 ملم ومخزن ذخيرة في جبهة الكدحة. كما تحدث النزيلي عن تدمير ثلاث بطاريات مدفعية ومنظومة دفاع جوي متحركة في جبهة الوازعية، إضافة إلى استهداف تعزيزات وأسلحة ومعدات، وتحييد عناصر وقيادات حوثية في مناطق قريبة من باب المندب.

وإذا صحت هذه المعطيات ميدانيا، فإن التركيز على المدفعية والدفاع الجوي والتعزيزات يعكس محاولة للحد من قدرة الحوثيين على المناورة ونقل القوات وإسناد جبهاتهم، بدلا من الاكتفاء بتبادل القصف على مواقع ثابتة.

وفي المقابل، أعلن الحوثيون تعرض مناطق خاضعة لسيطرتهم لـ51 غارة جوية وقصف صاروخي خلال 24 ساعة، واتهموا السعودية بتنفيذها، وهي رواية لم يصدر بشأنها تعليق سعودي فوري في المعلومات المتاحة.

ويكتسب التصعيد أهمية أكبر مع استمرار القتال قرب الساحل الغربي وباب المندب. فقد شهد سبتمبر توسعا حوثيا في هذه المنطقة، شمل المخا ومناطق ساحلية وجزرا قريبة من المضيق، ما جعل السيطرة على الممر البحري جزءا من الحسابات العسكرية الجديدة في الحرب.

وتحاول القوات الحكومية، في المقابل، منع تثبيت هذا التقدم أو تحويله إلى واقع عسكري مستقر. ولذلك فإن جبهات تعز والوازعية والساحل الغربي لا تبدو مجرد ساحات قتال محلية، بل ترتبط أيضا بموقع باب المندب وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

وهذا يفسر جزئيا ارتفاع قيمة الضغط العسكري على الحوثيين في هذه المناطق، خصوصا في ظل ما يمثله المضيق من أهمية للتجارة والطاقة الدولية.

ولا يقتصر التحرك الحكومي على الجبهات. ففي عدن، ناقش اجتماع عسكري ترتيبات تنفيذ توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن «التعبئة العامة والنفير العام»، بما يشير إلى محاولة رفع الجاهزية وتنظيم الموارد البشرية والعسكرية المتاحة للحكومة.

وكان العليمي قد أعلن في وقت سابق عفوا عن كل من يترك الحوثيين ويتوقف عن القتال أو العمل لصالحهم، داعيا في الوقت نفسه إلى التعبئة العامة والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن.

ويحمل الجمع بين العفو والتعبئة دلالة مهمة؛ فالحكومة لا تحاول فقط زيادة عدد قواتها، وإنما تسعى أيضا إلى التأثير في البيئة البشرية التي تعتمد عليها الجماعة في التجنيد والقتال.

وإذا نجحت هذه السياسة، فإن الضغط على الحوثيين يمكن أن يأخذ شكلين متوازيين: استنزاف قدراتهم العسكرية من الخارج، ومحاولة تقليص قدرتهم على تعويض الخسائر من الداخل.

ويأتي ذلك مع تأكيد السعودية دعمها للحكومة اليمنية، في وقت تقول فيه الرياض إنها تعمل في الوقت نفسه على خفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية.

وتكشف هذه المعادلة أن الدعم العسكري والسياسي للحكومة لا يعني بالضرورة التخلي عن المسار التفاوضي. فزيادة الضغط على الأرض يمكن أن تكون، في الحسابات السياسية، وسيلة لتحسين موقع الحكومة في أي ترتيبات تفاوضية لاحقة، خصوصا بعد التغيرات الميدانية الأخيرة.

لكن نجاح هذا النهج يبقى مرتبطا بقدرته على تحقيق مكاسب عسكرية قابلة للتثبيت، لا مجرد رفع مستوى الضربات. فاستنزاف القدرات الحوثية يحتاج إلى وقت، بينما يستطيع التنظيم المسلح الذي يملك خبرة طويلة في الحرب أن يعيد توزيع قواته ويعتمد على تكتيكات أكثر مرونة.

كما أن اتساع المواجهات يرفع في المقابل الكلفة الإنسانية، ويزيد مخاطر توسع الحرب إلى مناطق جديدة، وهو ما يجعل الحفاظ على قنوات التسوية ضروريا حتى مع ارتفاع وتيرة العمليات.

وفي النهاية، يبدو التصعيد الحالي أقرب إلى محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوة منه إلى قرار معلن بالعودة إلى حرب شاملة. الحكومة تريد استعادة زمام المبادرة، والحوثيون يحاولون الحفاظ على مكاسبهم الأخيرة، فيما تتحرك السعودية لدعم حليفتها مع إبقاء باب الحل السياسي مفتوحا.

ويبقى الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة: هل تستطيع الضغوط المتدرجة إضعاف قدرات الحوثيين وتغيير موقعهم التفاوضي، أم أن الجماعة ستتمكن من امتصاص الضربات وإعادة بناء قدراتها، بما يعيد اليمن إلى دورة جديدة من التصعيد دون حسم عسكري؟