أخبار وتقارير

الخميس - 01 أكتوبر 2026 - الساعة 01:05 م بتوقيت اليمن ،،،

طهران


لم تعد شبكة الفصائل المسلحة التي بنتها إيران على امتداد الشرق الأوسط تبدو بالتماسك الذي ميزها خلال السنوات الماضية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه مع دخول المنطقة مرحلة جديدة من الصراع لا يتعلق فقط بمدى تراجع هذه الشبكة، وإنما بما إذا كانت طهران قادرة على إعادة صياغة نفوذها بأدوات مختلفة.

فقد خلص تحليل لمركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية إلى أن نموذج «وكلاء إيران» دخل مرحلة تدهور بنيوي، بعدما تعرضت فصائل حليفة لطهران لضغوط عسكرية ومالية وسياسية متراكمة في لبنان والعراق واليمن، فيما فقدت سوريا جزءا مهما من وظيفتها كحلقة وصل استراتيجية. ويرى التحليل أن توسع شبكة الوكلاء منح إيران نفوذا واسعا، لكنه جعلها في الوقت نفسه أكثر عرضة للاستنزاف والاختراق الاستخباراتي وتضارب مصالح الفصائل المحلية.

لكن قراءة التحولات الجارية باعتبارها نهاية لنفوذ إيران قد تكون سابقة لأوانها. فالفصائل ليست كيانات متطابقة، وعلاقتها بطهران تختلف من ساحة إلى أخرى. كما أن تراجع قدرة إيران على إدارة شبكة إقليمية متماسكة لا يعني بالضرورة اختفاء مصالحها أو أدواتها، وإنما قد يدفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على شركاء محليين أكثر استقلالا، وعلى النفوذ السياسي والاقتصادي، وعلى قدراتها العسكرية المباشرة.

العراق: الاختبار الأكثر وضوحا
يقدم العراق نموذجا واضحا للتحول المحتمل. فمع اكتمال انسحاب القوات الأميركية في 30 سبتمبر، تنتقل البلاد إلى مرحلة تعتمد فيها بصورة أكبر على مؤسساتها الأمنية، فيما تحتفظ واشنطن بتدريب ودعم استخباراتي موجه. وفي المقابل، لا تزال فصائل مسلحة مرتبطة بإيران تمتلك قدرات عسكرية ونفوذا سياسيا واقتصاديا.

وكانت محاولة الحكومة العراقية دفع الفصائل نحو حصر السلاح بيد الدولة قد كشفت عن حدود قدرة بغداد على إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والجماعات المسلحة. فقد أظهرت تقارير أن عددا من الفصائل رفض موعد 30 سبتمبر لتسليم السلاح أو حل تشكيلاته، بينما أبدت فصائل أخرى استعدادا أكبر للتعامل مع المسار الحكومي.

وهنا تظهر إحدى أهم خلاصات نموذج بلفر: المشكلة لم تعد فقط في مقدار سيطرة إيران على هذه الفصائل، بل في أن بعض الجماعات باتت تملك مصالح محلية خاصة بها، سياسيا واقتصاديا وأمنيا. ومع مرور الوقت، يمكن أن يصبح الحفاظ على هذه المصالح أولوية بالنسبة إلى الفصيل حتى عندما لا يتطابق تماما مع حسابات طهران.

وتعني هذه المعادلة أن العراق قد يتحول إلى ساحة اختبار لنموذج جديد من النفوذ الإيراني: نفوذ لا يحتاج بالضرورة إلى قيادة مباشرة لكل مجموعة مسلحة، بقدر ما يحتاج إلى الاحتفاظ بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع أطراف قادرة على التأثير في القرار العراقي.

لبنان: خسارة أم إعادة تموضع؟
في لبنان، تبدو التحولات أكثر حدة. فقد تعرض حزب الله لخسائر عسكرية وقيادية كبيرة، كما تضررت البيئة الإقليمية التي كانت تمنحه عمقا استراتيجيا، خصوصا بعد التحولات في سوريا. ويشير تحليل بلفر إلى أن هذه التطورات أضعفت قدرة الحزب على أداء الدور الذي كان يقوم به باعتباره أهم أدوات النفوذ الإيراني خارج إيران.

لكن الانتقال من هذه الملاحظة إلى القول إن إيران فقدت نفوذها في لبنان بالكامل سيكون استنتاجا أوسع من الأدلة المتاحة. فحزب الله لا يمثل مجرد تشكيل عسكري؛ إنه أيضا فاعل سياسي واجتماعي له قاعدة داخلية واسعة، وبالتالي فإن تراجع قدرته العسكرية لا يعني تلقائيا اختفاء وزنه السياسي.

الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الدولة اللبنانية على استعادة احتكار السلاح من دون إنتاج فراغ سياسي أو أمني داخل البيئة الشيعية، وفي قدرة الحزب على إعادة تعريف موقعه إذا انتقل من تنظيم مسلح ذي وظيفة إقليمية إلى لاعب سياسي أكثر انكفاء على الداخل.

ومن هذه الزاوية، قد يكون التحول اللبناني مؤشرا على اتجاه أوسع: تراجع وظيفة الوكيل الإقليمي لا يعني بالضرورة اختفاء الوكيل، وإنما ربما تحوله إلى فاعل محلي أكثر استقلالا.

اليمن: نموذج الإدارة المباشرة
الحالة اليمنية أكثر تعقيدا. فالحوثيون احتفظوا بقدرة عسكرية كبيرة، ولا تزال علاقتهم بإيران جزءا أساسيا من فهم تطور قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة. وقد أفادت مصادر تحدثت إلى رويترز بأن الدعم الإيراني، بما في ذلك الأسلحة والمشورة، ساعد الحوثيين في هجومهم الأخير على مدينة المخا ومناطق ساحلية استراتيجية. وتنفي إيران توجيه العمليات العسكرية للحوثيين بصورة مباشرة.

لكن صعود الحوثيين نفسه يطرح سؤالا مختلفا عن طبيعة العلاقة بين الطرفين. فالجماعة تمتلك أجندتها اليمنية الخاصة، كما أن مصالحها في السيطرة على الأراضي والموانئ والطرق البحرية تختلف عن الحسابات الإيرانية الأوسع.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن اليمن قد يصبح اختبارا لما إذا كان الحليف المحلي سيواصل العمل باعتباره جزءا من شبكة إقليمية، أم سيعيد ترتيب أولوياته حول تثبيت سلطته داخل بلاده. وفي كلتا الحالتين، فإن امتلاك الحوثيين لقدرات مستقلة نسبيا يعني أن التأثير الإيراني لا يتطلب بالضرورة إدارة مباشرة لكل خطوة.

وهذا يفسر أيضا لماذا يمكن أن يصبح ضعف نموذج الوكلاء سلاحا ذا حدين: تراجع قدرة طهران على التنسيق لا يعني بالضرورة تراجع المخاطر، إذ يمكن لفصائل أكثر استقلالا أن تتخذ قرارات تصعيدية لا ترغب إيران نفسها في تحمل تبعاتها.

سوريا: الحلقة التي تغيرت
أما سوريا، فتمثل ربما التحول الأكثر أهمية في البنية الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقود الماضية. فقد كانت البلاد حلقة أساسية في الطريق الذي يربط إيران بالعراق ولبنان، ومجالا لتمركز ونقل الموارد والمقاتلين والأسلحة.

ويضع تحليل بلفر سوريا ضمن العوامل التي أضعفت الشبكة الإيرانية، مشيرا إلى تراجع حضور الفصائل المرتبطة بطهران وتقلص المساحة التي كانت توفرها البيئة السورية السابقة.

لكن سوريا الجديدة لا تزال في مرحلة انتقالية، ولذلك فإن السؤال ليس فقط ما إذا كانت إيران فقدت جزءا من نفوذها، وإنما من سيملأ المساحات التي انسحبت منها الشبكات الإيرانية. فكلما ضعفت الدولة، بقي احتمال ظهور قوى محلية أو إقليمية أخرى، بما يجعل تراجع النفوذ الإيراني لا يساوي تلقائيا استقرارا إقليميا.

هذه التطورات تطرح احتمالا يتجاوز ثنائية «إيران قوية» أو «إيران ضعيفة». فقد تكون المنطقة أمام انتقال من نموذج «المحور المتماسك» إلى نموذج أكثر مرونة، تتعايش فيه مصالح إيران مع حسابات محلية مستقلة.

ويشير تحليل بلفر إلى أن الفصائل في العراق، مثلا، لم تعد تتحرك كلها وفق تقدير واحد للمخاطر، وأن بعض الأطراف أصبحت تعطي الأولوية لمصالحها السياسية والاقتصادية الداخلية. كما يرى أن توسع نموذج الوكلاء أنتج مشكلات تتعلق بالتماسك والتنسيق والتمويل والاختراق، بدلا من أن يوفر دائما قدرة إضافية على الردع.

وقد يكون هذا هو التغيير الأعمق: ليس انتهاء نفوذ إيران، وإنما ارتفاع كلفة إدارة هذا النفوذ.

فطهران التي كانت قادرة على استخدام شبكة واسعة من الحلفاء لتوسيع مجال الردع بعيدا عن أراضيها تواجه الآن بيئة أكثر تعقيدا. بعض الحلفاء تعرضوا للاستنزاف، وبعض خطوط الإمداد تضررت، وبعض الفصائل أصبحت أكثر التصاقا بحساباتها المحلية، فيما أدى الضغط العسكري إلى زيادة المخاطر المرتبطة باستخدام الوكلاء.

وفي الوقت نفسه، لا تزال هناك عوامل تمنع إعلان نهاية النموذج. فإيران تحتفظ بعلاقات طويلة الأمد مع قوى سياسية وأمنية في المنطقة، ولديها خبرة كبيرة في بناء الشبكات غير الرسمية، كما أن ضعف مؤسسات الدولة في عدد من الساحات يوفر بيئة يمكن أن تعيد فيها هذه الشبكات إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.

الفراغ أخطر من التراجع
لذلك فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون معركة بين إيران ووكلائها من جهة والدول من جهة أخرى، بل صراعا على من يملأ المساحات التي يخليها تراجع التنظيمات المسلحة.

في العراق، يرتبط الأمر بقدرة الدولة على فرض احتكار السلاح دون تفجير مواجهة داخلية. وفي لبنان، بقدرتها على دمج مختلف المكونات في صيغة سياسية وأمنية جديدة. وفي اليمن، بقدرة الأطراف المحلية على الانتقال من منطق الحرب إلى تسوية سياسية. وفي سوريا، بقدرة السلطة الجديدة على توسيع سيادتها ومنع تحول البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي جديد.

وهنا تكمن المفارقة: إذا كان نموذج الوكلاء الإيرانيين يتراجع فعلا، فإن نجاح هذا التحول لا يتوقف على إضعاف الفصائل فقط، وإنما على قدرة الدول نفسها على استعادة وظائفها.

فالتراجع غير المنظم للشبكات المسلحة يمكن أن ينتج فوضى وفصائل أصغر وأكثر استقلالا، بدلا من إنتاج دول أقوى. أما إذا ترافق مع بناء مؤسسات أمنية وسياسية واقتصادية قادرة على استيعاب القوى المحلية، فقد يمثل بداية انتقال من مرحلة النفوذ المسلح إلى مرحلة أكثر اعتمادا على الدولة.

وبالتالي، فإن السؤال الذي تطرحه حرب السنوات الأخيرة ليس ما إذا كانت إيران ستتخلى عن نموذج الوكلاء، فهذا غير محسوم، وإنما ما إذا كانت كلفة هذا النموذج قد أصبحت أعلى من قدرته على توفير الردع والنفوذ اللذين أرادتهما طهران منه.

إذا تأكد هذا الاتجاه، فقد تدخل إيران مرحلة إعادة حسابات، لا بالضرورة عبر التخلي عن حلفائها، بل عبر تقليص الاعتماد على شبكة إقليمية موحدة والبحث عن أدوات أقل كلفة وأكثر قابلية للإنكار وإدارة المخاطر.

أما إذا بقيت الدول العربية المعنية عاجزة عن سد الفراغات السياسية والأمنية، فإن تراجع النموذج القديم قد لا يعني نهاية النفوذ الإيراني، وإنما إعادة تشكيله في صورة أكثر لامركزية وأصعب على القياس.