أخبار وتقارير

الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - الساعة 12:23 م بتوقيت اليمن ،،،

الرياض


لم يكن قرار تحويل الدراسة الحضورية في العاصمة السعودية الرياض إلى التعليم عن بُعد لمدة أسبوع، ابتداء من الأحد، مجرد إجراء إداري عابر في توقيته. فقد جاء القرار بعد ساعات من إعلان التحالف الذي تقوده السعودية اعتراض صواريخ باليستية ومسيّرات أطلقت باتجاه المملكة، بينها طائرتان مسيّرتان كانتا متجهتين إلى منطقة الرياض.

وأبلغت مدارس في الرياض أولياء الأمور بالانتقال إلى التعليم عن بُعد عبر منصة «مدرستي»، على أن يشمل القرار الطلبة والعاملين في المؤسسات التعليمية لمدة أسبوع، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. ولم تقدم السلطات، حتى الآن، سبباً معلناً للخطوة، فيما يأتي القرار في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية منذ تجدد القتال في اليمن واتساع نطاق المواجهة.

ولا يعني القرار بالضرورة أن الرياض تتوقع هجوماً جديداً، لكنه يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت السلطات السعودية تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها موجة تصعيد قد تطول، وتحتاج إلى إجراءات احترازية تتجاوز التعامل مع كل هجوم على حدة.

تحويل المدارس إلى التعليم عن بُعد يقلل حركة الطلاب والعاملين في العاصمة، ويمنح السلطات مساحة أوسع للتعامل مع أي تطورات أمنية محتملة من دون أن يتعطل التعليم بصورة كاملة. لكن غياب التفسير الرسمي يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان القرار مرتبطاً بتقدير أمني محدد، أم أنه إجراء احترازي مؤقت فرضته وتيرة الهجمات الأخيرة.

وتزداد أهمية القرار بالنظر إلى أن الرياض نفسها أصبحت خلال الأيام الماضية ضمن نطاق الاستهداف المعلن. ففي 19 سبتمبر، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه العاصمة، بينما تحدث الحوثيون عن استهداف مواقع حساسة في الرياض. وترافق ذلك مع ظهور أعمدة دخان في محيط مطار الملك خالد الدولي، في واحدة من أبرز الهجمات التي طالت العاصمة منذ تجدد التصعيد.

وفي 26 سبتمبر، أعلن التحالف اعتراض صاروخين باليستيين كانا متجهين نحو خميس مشيط ومسيّرتين باتجاه منطقة الرياض. وجاء الإعلان بعد سلسلة من الهجمات التي تقول السعودية إنها استهدفت أراضيها خلال الأسابيع الماضية.

ولا تنفصل التطورات السعودية عن التحول المتسارع في اليمن. فقد دعت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى التعبئة العامة، في أعقاب تقدم الحوثيين في مناطق من غرب البلاد وسيطرتهم على مواقع استراتيجية على ساحل البحر الأحمر، بحسب تقارير حديثة. ودعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اليمنيين إلى المساهمة في القتال ضد الحوثيين، معلناً في الوقت نفسه عفواً عن مقاتلين حوثيين يقررون الانشقاق عن الجماعة.

وتخوض القوات الحكومية، وفق التقارير، معارك في تعز ومأرب، بينما يتركز جزء مهم من الصراع حول الساحل الغربي وباب المندب. ويضيف ذلك بعداً جديداً للمواجهة، إذ لم تعد الهجمات المتبادلة مقتصرة على جبهات يمنية داخلية، وإنما باتت السعودية نفسها هدفاً متكرراً للصواريخ والمسيّرات.

ومن هنا تبدو حالة الاستنفار في اليمن مؤشراً مهماً عند قراءة القرار السعودي. فكلما اتسعت العمليات البرية في اليمن، وتزامنت معها هجمات على الأراضي السعودية، زادت احتمالات انتقال الصراع إلى دائرة تصعيد أوسع، حتى لو لم يكن هناك ما يؤكد أن قرار التعليم عن بُعد جاء استجابة مباشرة لمعلومة عن هجوم وشيك.

وقبل قرار التعليم بيومين، ظهر مؤشر آخر على ارتفاع مستوى التعبئة السعودية، تمثل في بيان مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء الشيخ صالح الفوزان، الذي خاطب القوات المرابطة وقوات التحالف، ودعاها إلى الاستعداد والتصدي للحوثيين.

وجاء البيان، بحسب رويترز، في أعقاب أسابيع من تصاعد العنف بين السعودية والحوثيين، وحث القوات على الاستعداد لبذل النفس في مواجهة الجماعة حتى إخراجها من السلطة. كما أكد المفتي، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، أن إعادة الأمن والاستقرار إلى اليمن في ظل قيادته الشرعية من «أوجب الواجبات».

ولا يمكن الجزم بأن بيان المفتي مرتبط مباشرة بقرار التعليم، لكن تزامنهما مع تصاعد الهجمات يعطي للمشهد السعودي طابعاً مختلفاً. فالمؤسسة الدينية الرسمية دخلت على خط التعبئة، فيما تتزامن الرسالة الدينية مع إجراءات احترازية في العاصمة ومع تحركات عسكرية وسياسية على الجبهة اليمنية.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس ما إذا كانت السعودية قادرة على اعتراض الهجمات، فقد أعلنت بالفعل اعتراض صواريخ ومسيّرات عدة، وإنما ما إذا كانت تتوقع استمرار وتيرتها أو اتساع نطاقها.

ويشير قرار إغلاق المدارس الحضورية في الرياض لمدة أسبوع إلى أن الحسابات الأمنية بدأت تنعكس على الحياة اليومية في العاصمة. لكنه، في الوقت نفسه، لا يكفي وحده للقول إن السعودية تستعد لهجوم وشيك.

الأكثر دلالة هو تزامن القرار مع ثلاثة تطورات: تصاعد الهجمات الحوثية على المدن السعودية، دخول الحكومة اليمنية في حالة تعبئة عامة، وارتفاع نبرة الخطاب السعودي الرسمي والديني تجاه المواجهة. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الرياض تتعامل مع المرحلة باعتبارها قابلة لمزيد من التصعيد، وتحاول تقليل المخاطر على المدنيين والمؤسسات الحيوية.

ويبقى الاختبار الحقيقي في الأيام المقبلة: هل تكون الإجراءات الحالية مجرد احتياط مؤقت فرضته موجة الهجمات الأخيرة، أم أنها مقدمة لتدابير أوسع إذا استمر الحوثيون في استهداف العمق السعودي؟ الإجابة ستتوقف إلى حد كبير على مسار المعارك داخل اليمن، وعلى قدرة الأطراف على منع انتقال التصعيد من جبهات القتال إلى مواجهة مفتوحة على نطاق أوسع.