أخبار وتقارير

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 11:45 م بتوقيت اليمن ،،،

كتبه أ. د. عبدالله بن عبدالله عمر


بادئ ذي بدأ أُحبُّ أن أشكر الأخ أحمد فضل - حفظه الله - علی منشوره الرائع عن الشاعر التربوي والنجم الرياضي الملقب ب (الزاوية) رشاد مشبح - رحمه الله - المنشور في ٢٨/ ٩/ ٢٠٢١م الذي أماط به اللثام عن معلومات يجهلها كثير من الناس - منهم كاتب هذا المنشور - علی الرغم من أنّ كاتب هذا المنشور جار للشاعر رشاد مشبح - رحمه الله - في حارة الجامع سوق الذهب الذي اكتنز في الماضي شخصيات أدبية وكوادر تربوية وصحية ورياضية كثيرة كان لها دورها في خدمة المجتمع، لم تجد هذه الكوادر من يُعرِّف بها أو يكتب عن بعض ما آثارها، وهذه مأساة ألقت بظلالها علی كل تراث شعراء لحج، فقد أصاب الإهمال الانتاج الشعري لشعراء لحج علی وجه العموم، وقد رفع الستر أحمد فضل - مشكورًا - عن ذلك. و أجاب عن سؤال مهم جدًا هل لرشاد مشبح -رحمه الله - ديوان مطبوع؟ فقال بعفوية:" رغم إنتاجه الشعري الصادق وتداول أعماله بين الكثيرين إلا أنّه لم يُطبَع له ديوان شعري أسوة بغيره من الشعراء في لحج الذين لم تُطبع لهم دواوين حتی يتم توثيقها ونشرها بسبب إهمال الجهات الرسمية القائمة علی ذلك" منشوره (١٠/ ٩/ ٢٠٢١م).
لقد أفاد أحمد فضل -حفظه الله - في الإدلاء بهذه الحقيقة وفي التعريف بالشاعر رشاد مشبح -رحمه الله-.
لم يكن رشاد مشبح -رحمه الله - شاعرًا فحسب بل كان موهبة رياضية ونجم من الطراز الرفيع، و لفنياته لُقِّب ب (الزاوية) وفق ما أورده أحمد فضل.
عاصر الشاعر رشاد مشبح - رحمه الله - أواخر الزمن الذهبي لشعراء لحج واحتكی بكبار الشعراء وعلی رأسهم الشاعر الغزلي الكبير صالح نصيب والشاعر أحمد صالح عيسی -رحمهما الله - وقد أورد أحمد فضل -مشكورًا- أسماءهم - مُبيِّنًا علاقة شاعرنا رشاد مشبح -رحمه الله - بهم واحتكاكه بهم وبإنتاجهم.
أعماله الشعرية:
للشاعر رشاد مشبح - رحمه الله - قصائد تفوح من عنواناتها إبداع شاعر وشاعرية إنسان من أهمها: لا تقع عجول، عيني من عيونك، شمس الكويت عبر الزمن، فيك ما غيّرت رأيي، صباح الخير يا وطني، إن كان فيني جنون أنت السبب في جنوني.
هذه ما اشتهر وجری ذيوعه في الأعراس، وبقي الكثير منسي ولعل بيتي المنشور إلی جانب مقطوعتين سمعتهما أذناي من شاعرنا، الأولی نظمها تهنئةً لأخيه المعلم و الشاعر ناصر مشبح - رحمه الله- بمناسبة ارتزاقه بمولود، والثانية في ذكر ما جری بينه وبين المدير الإدراي في كلية التربية صبر من خلاف.
وهذه المقطوعات الثلاث ومنها بيتا المنشور ما لم يشتهر وفق علمي كون إنشادهما كان ارتجالًا.
القسم الثاني:
تحليل بيتي حرب ١٩٩٤م المصدّر بهما المنشور:
نُمسي علی سكود
ونُصبح علی مدفع
الحبل مشدود
والحرب تتوسع
مناسبة البيتين:
البيتان يعدان توثق تاريخي عالي الدقة لوصفه الدقيق والمختصر لمعاناة الحرب.
كانت حرب ١٩٩٤م المناسبة لقول هذين البيتين وتحديدًا ما كان يحصل في صباح كل يوم؛ إذ يصحو أهالي الحوطة وتبن علی أصوات مدفع يُطلق قذائفه من غرب لحج (جهة قرية عبر لسلوم) أُطلِق عليه اسم (عطبوش) ويقال له: (عبدوه) وبالمقابل كان الناس يترقبون مرور صواريخ سكود ليلًا.
هذا الحدث كان سببًا في نظم أبيات منها بيتا المنشور.
ألفاظ البيتين: مأنوسة الاستعمال سهلة المأخذ، وهي كلماته كثيرة التدوال عدا لفظة (سكود) وهي كلمة غير عربية.
الصور البيانية
بدأ الشاعر مقطوعته المعروف منها بيتان بقوله:
نمسي علی سكود
ونصبح علی مدفع
استهل الشاعر مقطوعته في وصف الحادثة التي تتكرر كل يوم مساءً وصباحًا، فلم يبدأ مقطوعته بمقدمة لا طللية جاهلية ولا خمرية من خمريات أبي نواس -رحمه الله وعفا عنه-.
لقد أبدع الشاعر رشاد مشبح -رحمه الله - حين نصَّ علی وقتي وقوع الحادثة بقوله: نمسي ، ونصبح، واكتملت الروعة حين عبّر بنون جمع المتكلمين الفاعلين الذي ينوب عن (نحن) في الأفعال، فقد نقل الشاعر انزعاج أفراد المجتمع كله، وجعل من نفسه وكيلًا مُفوضًا في إيصال معاناتهم في وقتين من أهم أوقات الراحة، فلا نوم ليلًا و صاروخ (سكود) يخترق سكون الليل وهدوئه وينشر الرعب والهلع، ولا إعطاء فرصة لنيل قسطًا من الراحة مع الصباح الباكر بعد ليل مدوي بتحركات سكود.
فشاعرنا رشاد مشبح -رحمه الله - نقل معاناة مجتمع الحوطة وتبن
وتأمل التخالف بين (سكود) وهو سلاح يُقذف و (مدفع) وهو آلة للقذف إبداع رائع فالمساء علی سكود والاصطباح بمدفع.
ومن المحسنات اللفظية في البيت الطباق وهو الجمع بين لفظ نمسي ولفظ نصبح، وهو تضاد أسهم في ترابط بيتي المقطوعة وفي تماسكه النصي كما يذكر علم لسانيات الخطاب.
وجاء البيت الثاني
الحبل مشدود
والحرب تتوسع
أفصح الشاعر في هذا البيت عن واقع رحی الحرب، فالحبل مشدود أي أنّ حناق الحرب مشدود وفي الوقت نفسه فإنّ الحرب تزاد في التوسع.
قوله: الحبل كناية عن اشتداد المعارك وضراوتها، ويؤكد ذلك لفظ (مشدود)، فالمشدود اسم مفعول من الفعل الثلاثي (شد)
ثم قال: والحرب تتوسع: أي تأخذ مدی أوسع مما كانت عليه.

ومن الصور البيانية: الحرب تتوسع ، استعارة مكنية شبّه الحرب بمادة نستجيب للتويسع ثم حذف المشبه به و رمز إليه بشيء من لوازمه.
هكذا كان البيتان رائعين لأسباب كثيرة اٗهمها تلخيص معاناة وتوثيق حدث ونقله قد لا يتحقق وصفه بهذه الدقة اختصارًا ووصفًا لأحد غير شعر الشاعر رشاد مشبح -رحمه الله.
انتهی المأمول بتوفيق ربنا الغفور.
والله من وراء القصد