عرب وعالم

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 01:24 م بتوقيت اليمن ،،،


لا تبدو قاعدة الصين العسكرية في جيبوتي مجرد نقطة ارتكاز للعمليات البحرية الصينية في خليج عدن والبحر الأحمر، إذ تكشف صور الأقمار الصناعية عن تطور جديد في طبيعة المنشأة قد يمنح بكين قدرة أكبر على مراقبة النشاط العسكري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه البحر الأحمر وباب المندب نشاطاً عسكرياً متزايداً، بالتزامن مع اتساع التنافس بين القوى الدولية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

وأفاد تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن بأن صور الأقمار الصناعية التجارية أظهرت إضافة الصين هوائيات جديدة ومعدات للاتصالات عبر الأقمار الصناعية ومنشآت أخرى إلى قاعدتها في جيبوتي. ووفق المركز، ظهرت منذ منتصف عام 2024 منشأتان جديدتان للاتصالات، يرجح أنهما جزء من بنية أوسع للقيادة والاستخبارات، بما يمكن أن يعزز التواصل بين القوات الصينية المنتشرة في الشرق الأوسط وأفريقيا والمقار العسكرية في الصين.

ولا يجزم التقرير بأن هذه المنشآت تستخدم فعلياً لاعتراض الاتصالات، لكنه يرى أنها يمكن أن تمنح الجيش الصيني قدرة أكبر على جمع الإشارات ومراقبة النشاط العسكري المحيط بالقاعدة. وتكمن أهمية ذلك في طبيعة المعدات الجديدة وتنوعها وتوجيهها، بما يسمح، وفق المركز، بالإرسال والرصد عبر نطاق واسع من الإشارات والترددات.

بهذا المعنى، قد تكون الصين بصدد توسيع وظيفة القاعدة من منشأة لدعم العمليات البحرية إلى منصة متقدمة لمعرفة ما يجري في المنطقة. فالمعلومات العسكرية لا تتطلب بالضرورة اختراق الاتصالات السرية، إذ يمكن حتى مراقبة أنماط الإشارات ومصادرها وتردداتها وتوقيتها أن توفر مؤشرات على طبيعة التحركات العسكرية وحجمها واتجاهاتها.

وتكتسب هذه القدرة المحتملة أهمية أكبر بسبب الموقع الجغرافي للقاعدة. فقد افتتحت الصين منشأتها في جيبوتي عام 2017، بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. كما تقع القاعدة وسط تجمع غير عادي من المنشآت العسكرية الأجنبية، إذ تدير الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان قواعد على مسافة تقل عن 16 كيلومتراً منها.

وهذا يجعل جيبوتي أشبه بنقطة تقاطع عسكرية دولية، وليس مجرد قاعدة صينية منفردة. فالقوات الأجنبية الموجودة في المنطقة تتابع أمن الملاحة ومكافحة الإرهاب والقرصنة، فيما أصبحت التطورات في اليمن والبحر الأحمر تضيف بعداً جديداً إلى النشاط العسكري والاستخباراتي في المنطقة.

وتوفر هذه البيئة للصين فرصة ثمينة لتوسيع قدرتها على مراقبة التحركات العسكرية للقوى الأخرى، خصوصاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية واليابان. كما أن القاعدة تتيح لبكين متابعة التطورات في منطقة تربط بين الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، وهما مجالان شهد فيهما الحضور الصيني توسعاً اقتصادياً وأمنياً خلال السنوات الماضية.

ولا ينفصل هذا التطور عن التحول الأوسع في السياسة الصينية تجاه البحار والممرات الدولية. فقد بدأت بكين وجودها العسكري الخارجي من قاعدة جيبوتي، التي ارتبطت في بدايتها بدعم العمليات البحرية وحماية المصالح الصينية ومكافحة القرصنة، لكن تطور بنيتها التحتية وقدراتها الاتصالية يعكس، بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قدرة متزايدة على تنفيذ عمليات أكثر تعقيداً.

وفي الوقت نفسه، لا يعني تطور القاعدة أن الصين تستعد بالضرورة لخوض مواجهة عسكرية في البحر الأحمر. فبكين ترتبط بمصالح اقتصادية واسعة في أفريقيا والشرق الأوسط، وتعتمد تجارتها على استقرار طرق الملاحة الدولية. ولذلك يمكن النظر إلى تعزيز قدرات الرصد والاتصال باعتباره جزءاً من بناء قدرة طويلة الأمد على حماية المصالح الصينية وفهم البيئة الأمنية المحيطة بها.

لكن وجود منشأة صينية متطورة إلى جانب قواعد أميركية وأوروبية ويابانية يضيف طبقة جديدة إلى التنافس الدولي في المنطقة. فالبحر الأحمر لم يعد ساحة مرتبطة فقط بأمن الملاحة أو الحرب في اليمن، وإنما أصبح نقطة تلتقي فيها حسابات الطاقة والتجارة والأمن والتكنولوجيا العسكرية.

ومن هنا تبرز أهمية التحديثات التي رصدها التقرير الأميركي. فالصين لا تحتاج بالضرورة إلى زيادة عدد سفنها أو قواتها في البحر الأحمر كي توسع نفوذها؛ امتلاك قدرة أكبر على مراقبة ما تفعله القوى الأخرى قد يكون بحد ذاته أداة استراتيجية.

وبينما تتجه أنظار العالم إلى باب المندب باعتباره ممراً تجارياً معرضاً للمخاطر، تبدو جيبوتي أمام تحول آخر أقل ظهوراً: سباق على امتلاك المعلومات. وإذا كانت القاعدة الصينية قد بدأت كمركز لدعم الوجود البحري، فإن تطور بنيتها الاتصالية قد يجعلها، تدريجياً، عيناً صينية أكثر اتساعاً على البحر الأحمر والشرق الأوسط وأفريقيا.