أخبار وتقارير

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 01:33 م بتوقيت اليمن ،،،


لا تبدو الضغوط التي تتعرض لها إيران بسبب التصعيد الحوثي في البحر الأحمر واليمن قادمة هذه المرة من الولايات المتحدة أو إسرائيل فقط، بل بدأت تصل من عواصم ترتبط بطهران بعلاقات استراتيجية واقتصادية وسياسية وثيقة. فبعد تدخل صيني لدى إيران، جاء تحرك باكستاني مباشر يطالب طهران باستخدام نفوذها لدى الحوثيين لوقف استهداف المنشآت النفطية والاقتصادية السعودية، في وقت تحاول فيه إسلام آباد لعب دور في إعادة إحياء الاتصالات بين واشنطن وطهران.

ويمنح تزامن التحركين بعداً مختلفاً للتصعيد في اليمن. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بالمواجهة السعودية-الحوثية، وإنما أصبحت مرتبطة بحسابات دول تريد منع انتقال الحرب إلى طرق الطاقة والملاحة الدولية، خصوصاً أن استمرار التهديد عند باب المندب يأتي في وقت تتعرض فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لضغوط شديدة.

وكان التحرك الصيني هو الإشارة الأولى إلى أن اتساع نشاط الحوثيين بدأ يلامس مصالح حلفاء إيران. ووفق ثلاثة مصادر إيرانية تحدثت إلى رويترز، طلبت بكين من طهران بصورة خاصة المساعدة في كبح الحوثيين، بعد أن طلبت السعودية من الصين التدخل على خلفية تقدم الجماعة على ساحل البحر الأحمر وحول باب المندب.

ولا يتعلق الأمر بموقف سياسي مجرد. فالصين تعتمد على الشرق الأوسط في جزء كبير من احتياجاتها النفطية، فيما تعد إيران شريكها التجاري الأكبر وأحد أهم مصادر النفط بالنسبة إليها. ولذلك فإن اتساع القتال إلى الطرق البحرية التي تربط الخليج بالبحر الأحمر يمكن أن يتحول إلى مشكلة مباشرة للاقتصاد الصيني.

وكانت بكين قد دعت علناً إلى ضبط النفس والحوار واستعادة أمن الملاحة، لكن الرسالة الخاصة إلى طهران ذهبت، وفق المصادر الإيرانية، أبعد من ذلك، وطالبتها باستخدام نفوذها لدى الحوثيين لمنع اتساع الصراع على طرق الطاقة.

في المقابل، لم تقدم بكين تهديداً معلناً لإيران، ولم تشر إلى عقوبات أو ضغوط اقتصادية إذا لم تستجب طهران. بل حافظت على خطابها الدبلوماسي الذي يدعو إلى خفض التصعيد والحوار. وهذا يعني أن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى استعداد الصين لتحويل نفوذها الاقتصادي والسياسي إلى ضغط فعلي إذا استمر التصعيد.

ولم تنتظر باكستان طويلاً حتى تتحرك في الاتجاه نفسه. فقد أجرى قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير اتصالاً بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وحث طهران على استخدام نفوذها لدى الحوثيين لوقف استهداف منشآت الطاقة السعودية. وربط الجانب الباكستاني هذه الاتصالات أيضاً بمحاولة إعادة إحياء المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران.

وتكتسب الرسالة الباكستانية أهمية خاصة لأن إسلام آباد لا تتحرك باعتبارها طرفاً في الحرب، وإنما باعتبارها وسيطاً يحاول إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. كما أن علاقاتها الدفاعية والسياسية مع السعودية تجعل أمن المملكة جزءاً من حساباتها الإقليمية.

وبذلك تصبح إيران أمام مسار مزدوج: الصين تريد حماية طرق الطاقة والتجارة، وباكستان تريد منع توسع الحرب والحفاظ على مسار التفاوض مع الولايات المتحدة. وفي الحالتين، يظهر الحوثيون باعتبارهم نقطة يمكن أن تؤدي إلى توسيع الصراع أو إلى فتح نافذة للتهدئة.

وهنا تكمن الزاوية الأهم. فطهران استخدمت لعقود شبكة من الحلفاء والوكلاء الإقليميين لبناء قدرتها على الضغط والمناورة. لكن اتساع نشاط أحد هؤلاء الحلفاء قد ينتج نتيجة عكسية إذا بدأ يضر بعلاقات إيران مع شركاء تحتاج إليهم في مواجهة الضغوط الأميركية.

وتزداد حساسية المسألة مع تعرض طرق الطاقة لضغوط من جهتين. فمضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً لصادرات النفط الخليجية، بينما يمثل باب المندب ممراً حيوياً للربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. وأي اضطراب طويل في المسارين يمكن أن يرفع كلفة الطاقة والشحن ويضغط على اقتصادات تعتمد على تدفق النفط والتجارة.

وتشير تحليلات حديثة إلى أن استمرار تهديد الحوثيين للملاحة، بالتزامن مع أزمة هرمز، يمكن أن يفتح جبهة جديدة في أزمة الطاقة العالمية ويضاعف المخاطر على الاقتصاد الدولي.

لذلك، فإن التحرك الصيني والباكستاني يضع إيران أمام اختبار يتجاوز مسألة الحوثيين أنفسهم. هل تستطيع طهران استخدام نفوذها لدى الجماعة لطمأنة السعودية والصين وباكستان، من دون أن يبدو ذلك تراجعاً أمام الولايات المتحدة؟ وهل يمكن أن تفصل بين استخدام الحوثيين كورقة ضغط في الحرب وبين مصالح حلفائها الذين يخشون من تداعيات اتساعها؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع محاولة باكستان إعادة إطلاق المسار التفاوضي الأميركي-الإيراني. فقد قال مسؤولون باكستانيون إن اتصال منير بعراقجي تناول أيضاً سبل إحياء المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران، فيما تشارك الصين في جهود منع اتساع الصراع.

وهكذا يبدو أن الضغوط على إيران بدأت تأخذ شكلاً جديداً: ليس ضغط الخصوم وحدهم، وإنما ضغط المصالح المشتركة مع الأصدقاء. فالصين تريد حماية الطاقة والتجارة، وباكستان تريد منع انفجار إقليمي والحفاظ على دور الوساطة، والسعودية تريد وقف استهداف أراضيها ومنشآتها.

وبين هذه الحسابات، يصبح الحوثيون أكثر من مجرد ورقة في الصراع الإيراني-الأميركي؛ إذ قد يتحول استمرار التصعيد من وسيلة ضغط تستخدمها طهران إلى مصدر ضغط عليها من أقرب شركائها.

ويبقى السؤال الأهم: هل تملك إيران ما يكفي من النفوذ على الحوثيين للاستجابة لضغوط الأصدقاء، أم أن اتساع الحرب سيجعل هؤلاء الأصدقاء أنفسهم أكثر استعداداً للضغط على طهران؟