أخبار وتقارير

السبت - 01 أغسطس 2026 - الساعة 12:41 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


لا يمثّل جنوح جماعة الحوثي الموالية لإيران إلى التصعيد مجدّدا وتوجيهها بوصلة تصعيدها نحو المملكة العربية السعودية، بحسب خبراء شؤون الشرق الأوسط، بالضرورة علامة قوّة وتماسك بقدر ما يؤشّران إلى حالة من التخبّط جرّاء الضغوط الشديدة المسلّطة عليها كما على محورها المعروف بـ"محور المقاومة" بقيادة إيران نفسها.

وبينما تخوض قائدة المحور الجمهورية الإسلامية حربا غير متكافئة ضد القوّة العالمية الأولى مرفوقة بضغوط وعقوبات اقتصادية تدفعها نحو حافة الإفلاس الشامل، تواجه أذرعها في المنطقة ضغوطا غير مسبوقة تجسّدت نتائجها في ما آلت إليه أوضاع حزب الله في لبنان بعد الضربات القاصمة التي تلقاها على يد إسرائيل، وكذلك أوضاع حركة حماس الفلسطينية بعد سنتين من الحرب المدمرة ضدّ جيش الدولة العبرية، في وقت تجهد فيه الميليشيات الشيعية في العراق للحفاظ على مكانتها في البلد والتوقي من ضغوط الولايات المتحدة وحتى ضرباتها العسكرية التي توجهها إليها من حين لآخر وتوقع في صفوفها خسائر فادحة.

ومن هذا المنظور يرتقي تصعيد الحوثيين وعودتهم لتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى مرتبة المغامرة الخطرة والمقامرة غير مضمونة العواقب.

وبهذا التصعيد تخسر الجماعة تهدئة طويلة استفادت منها وفرصة للسلام كانت السعودية نفسها في مقدّمة صنّاعها، دون أن تحقّق أي إنجازات تذكر عدا المكسب الآني المتمثّل في مساعدة حليفتها إيران على تعطيل حركة الملاحة في المنطقة وإرباك إمدادات النفط نحو الأسواق العالمية.

كما تخسر أيضا باستهدافها السعودية جزءا كبيرا من الرأي العام المحليّ والإقليمي كانت قد نجحت نسبيا في استمالته عندما وضعهت تصعيدها السابق ضد حركة الملاحة تحت عنوان مساعدة الفلسطينيين وإسناد قطاع غزّة في الحرب ضد إسرائيل بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025.

واعتبر الباحث والخبير العسكري اليمني علي الذهب، أن التصعيد العسكري الحالي لجماعة الحوثي لا يقتصر على كونه تصعيدا مرتبطا بالشأن اليمني، بل يتطلب النظر إليه في سياق إقليمي أوسع.

وقال لوكالة الأنباء الألمانية إنّ التصعيد جاء في مرحلة استنفدت فيها الجماعة وحلفاؤها الإقليميون عددا من أوراق القوة.

واستطرد بالقول: "المتغيرات التي لحقت بما يعرف بـ"محور المقاومة"، بدءا من التحولات السياسية في سوريا، مرورا بتراجع قدرات حزب الله اللبناني، وصولا إلى انشغال إيران بأزماتها المباشرة، أثرت على شبكة الدعم التي كانت تستند إليها جماعة الحوثي، سواء في التدريب أو التأهيل أو تبادل المعلومات".

وربط الذهب التصعيد الأخير بالتطورات في الخليج، حيث انتقلت الأزمة الإيرانية من التركيز على الملف النووي والنفوذ الإقليمي إلى التوترات البحرية في مضيق هرمز، وهو ما انعكس بدوره على مضيق باب المندب، الذي يسيطر الحوثيون على جزء مهم منه.

ويرى أن أي تهديد للملاحة في باب المندب بات جزءا من أدوات الضغط الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

ونبه الذهب إلى أن إعلان الحوثيين عما يسمونه بـ"حظر الملاحة" على السعودية "يعكس بوضوح هذا البعد الإقليمي، ويجعل المملكة في مقدمة الدول المستهدفة.

تأتي هذه التطورات وسط استمرار الحكومة اليمنية في جهودها للمّ شملها وتوحيد مختلف التشكيلات العسكرية من أجل مواجهة الجماعة الحوثية وفقا لمراقبين.

وعلى الصعيد ذاته، اعتبر الذهب أن إعادة ترتيب البنية العسكرية للقوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليا، بعد أحداث ديسمبر ويناير الماضيين جنوبي البلاد، وما نتج عنها من اندماج أكبر للقوات التابعة للحكومة الشرعية، يمثل أيضا أحد المتغيرات التي أحاطت بمشهد التصعيد، رغم استمرار التحديات التي تواجه هذه القوات.

ولفت إلى أن الحوثيين انتقلوا إلى مرحلة جديدة في توجيه قدراتهم العسكرية، إذ أصبح التركيز بصورة أكبر على السعودية ومصالحها الاستراتيجية، بعد أن كان الجزء الأكبر من عملياتهم موجها ضد أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل تحت عنوان "إسناد غزة".

ويرى أن هذا التحول يرتبط بدرجة كبيرة بالاستراتيجية الإيرانية أكثر من كونه قرارا يمنيا مستقلا، مشيرا إلى أن التنسيق السياسي والعسكري بين الحوثيين وإيران بات معلنا في خطابات قيادة الجماعة.

وأضاف أن استهداف الملاحة المرتبطة بالسعودية يستهدف أحد أهم المصالح الاستراتيجية للمملكة، والمتمثل في تدفق النفط عبر البحر الأحمر وباب المندب نحو الأسواق الآسيوية ودول أوروبا، خصوصا بعد سعي الرياض إلى تنويع مسارات تصدير النفط وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.

كما نبه الخبير اليمني إلى أن تهديد الملاحة في باب المندب يمثل امتدادا للدور العسكري الذي يؤديه الحوثيون ضمن سياق الصراع الإقليمي، رغم استمرار العمل بالهدنة التي أقرت في ربيع سنة 2022 ظلت صامدة بعد ذلك رغم عدم تجديدها رسميا.

وحول مسار الأزمة الحالية، يرجح الذهب أن يؤدي استمرار التصعيد إلى تعزيز الوجود الأمني والعسكري للحكومة الشرعية في جنوب البحر الأحمر، بهدف حماية الملاحة الدولية وقطع خطوط تهريب الأسلحة إلى الحوثيين.

ويفيد بأن استمرار تدفق الأسلحة يمثل أحد أهم عوامل بقاء قدرة الحوثيين على تنفيذ عملياتهم، وبالتالي فإن أي استراتيجية لاحتواء التصعيد ستعتمد بدرجة كبيرة على الحد من عمليات التهريب عبر البحر.

ويرى الذهب أن التطورات الحالية قد تقود إلى أحد مسارين: إما تصاعد العنف، أو العودة إلى المسار الدبلوماسي، ويربط ذلك بشكل مباشر بمستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة.

وقال: "إذا شهدت المنطقة انفراجا سياسيا أو تهدئة بين طهران وواشنطن، فمن المرجح أن تتوقف الهجمات الحوثية على السعودية، وأن تقبل الجماعة بالحد الأدنى من المكاسب الممكنة في إطار المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة بوساطة سلطنة عمان بين الحكومة اليمنية والحوثيين".

وتابع: "أما إذا استمر التصعيد الإقليمي، خصوصا مع استمرار الضربات الأميركية، فإن الحوثيين سيواصلون أداء دورهم كورقة ضغط ضمن الاستراتيجية الإيرانية، وهو ما سيؤدي إلى تراجع فرص التسوية السياسية".

ويعتقد الذهب أن استمرار التصعيد بين الحوثيين والسعودية، خاصة مع تشكل تحالفات أمنية ودفاعية لحماية الملاحة في البحر الأحمر، قد يمنح الحكومة اليمنية فرصة لتكثيف عملياتها العسكرية.

ويرى أن الأولوية ستكون للتحرك في المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر، باعتبارها تمثل مراكز التهديد الرئيسية للملاحة، أكثر من التوسع في جبهات العمق الداخلي. لكنه ينبه في الوقت ذاته، إلى أن السعودية لا تبدو راغبة في الانخراط في حرب واسعة جديدة، إذ تحاول الموازنة بين متطلبات الردع العسكري والحفاظ على فرص الحلول السياسية والدبلوماسية.