أخبار اليمن

السبت - 01 أغسطس 2026 - الساعة 12:28 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


لا يبدو نفي الحوثيين اعتزامهم فرض رسوم على السفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب مجرد تصحيح لمعلومات متداولة، بقدر ما يعكس مراجعة تكتيكية أملتها حسابات سياسية وعسكرية أكثر تعقيدا.

وتدرك الجماعة أن الانتقال من استهداف السفن إلى محاولة فرض رسوم على أحد أهم الممرات البحرية في العالم كان سيمنح خصومها مبررا قويا لتشكيل تحالف دولي واسع يتولى حماية الملاحة بالقوة، ويضع الحوثيين في مواجهة مباشرة مع عدد كبير من القوى البحرية، وليس مع الولايات المتحدة وبريطانيا فقط.

وجاء بيان مركز تنسيق العمليات الإنسانية التابع للحوثيين لينفي بصورة قاطعة أي نية لفرض رسوم على السفن، مؤكدا أن العبور عبر باب المندب مجاني، وأن خدمة “العبور الآمن” اختيارية ومجانية أيضا.

لكن أهمية البيان لا تكمن في مضمونه الاقتصادي، وإنما في توقيته السياسي، إذ جاء بعد تصاعد الحديث عن احتمال لجوء الجماعة إلى نموذج يشبه ما تردد سابقا بشأن مضيق هرمز، حيث جرى تداول أفكار تتعلق بفرض مقابل مالي على خدمات المرور البحري.

ويكشف هذا النفي أن الحوثيين باتوا أكثر إدراكا لحجم المخاطر التي قد تترتب على أي خطوة توحي بمحاولة فرض سيادة فعلية على أحد أهم الممرات البحرية الدولية. فمثل هذا السلوك لا يُنظر إليه باعتباره خلافا عسكريا مرتبطا بالحرب في اليمن أو بالصراع مع إسرائيل، وإنما باعتباره تهديدا مباشرا لحرية الملاحة والتجارة العالمية، وهو ما يفتح الباب أمام ردود دولية أكثر صرامة.

وتدرك الجماعة أن السعودية كثفت في الفترة الأخيرة تحركاتها الدبلوماسية لإقناع عدد من الدول بالمشاركة في ترتيبات أمنية جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر، في ظل تنامي القلق الدولي من استمرار الهجمات على السفن التجارية. وقد أبدت دول عدة استعدادها للمشاركة في أي جهد جماعي يضمن أمن خطوط التجارة العالمية، وهو ما يجعل أي تصعيد حوثي إضافي عاملا مساعدا لإنجاح هذا المسعى.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة النفي الحوثي باعتباره محاولة لسحب الذريعة التي قد تستند إليها الدول المترددة للانضمام إلى تحالف بحري جديد. فالجماعة تدرك أن استهداف السفن تحت ذرائع سياسية يختلف عن إعلان فرض رسوم أو قيود على المرور في مضيق دولي، لأن الخطوة الثانية تمثل تحديا مباشرا للنظام القانوني الذي يحكم الملاحة البحرية.

كما يحمل البيان رسالة أخرى تتعلق بمحاولة احتواء الغضب الدولي قبل أن يتحول إلى إجراءات عملية، سواء عبر تشديد العقوبات أو توسيع نطاق العمليات العسكرية الغربية ضد مواقع الحوثيين. فقد أكدت واشنطن وحلفاؤها مرارا أن حرية الملاحة في البحر الأحمر تمثل مصلحة استراتيجية لا يمكن التهاون بشأنها، وأن أي محاولة لفرض أمر واقع جديد في باب المندب قد تدفع إلى توجيه ضربات أشد اتساعا.

ولا يقتصر القلق الحوثي على الولايات المتحدة وحدها، بل يشمل أيضا القوى الأوروبية والآسيوية التي تعتمد تجارتها بصورة كبيرة على البحر الأحمر وقناة السويس. ولذلك فإن تحويل الأزمة إلى قضية تمس الاقتصاد العالمي يهدد بعزل الجماعة سياسيا ودبلوماسيا بصورة أكبر مما هي عليه حاليا.

وفي الوقت نفسه، يسعى الحوثيون إلى إعادة صياغة طبيعة الصراع، بحيث يبدو وكأنه خلاف ثنائي مع السعودية، وليس مواجهة مع المجتمع الدولي. فكلما نجحت الجماعة في حصر الأزمة ضمن إطار إقليمي ضيق، تراجعت فرص تشكل إجماع دولي ضدها، وأصبح بإمكانها الاستفادة من التباينات بين القوى الكبرى بشأن إدارة أمن البحر الأحمر.

لكن هذا التكتيك يواجه تحديات متزايدة، لأن الهجمات المتكررة على السفن جعلت أمن الملاحة قضية تتجاوز الحسابات الإقليمية، وأصبحت ترتبط مباشرة باستقرار سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الشحن والتأمين والطاقة. ولهذا السبب، فإن أي خطوة حوثية جديدة يُنظر إليها من زاوية تأثيرها على التجارة الدولية أكثر من ارتباطها بالصراع اليمني.

ويعكس البيان أيضا إدراكا لدى الجماعة بأن معركة الشرعية الدولية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية. فالظهور بمظهر الجهة التي لا تعرقل حرية الملاحة ولا تفرض إتاوات على السفن يساعد الحوثيين في تخفيف الضغوط السياسية والإعلامية، حتى وإن لم يغير ذلك من الموقف الدولي تجاه هجماتهم السابقة.

وفي الأخير، لا يمثل نفي الحوثيين فرض رسوم على عبور السفن تراجعا عن موقف بقدر ما يعكس مناورة سياسية تهدف إلى تجنب استفزاز المجتمع الدولي في مرحلة تتزايد فيها الدعوات إلى بناء منظومة بحرية جماعية لحماية البحر الأحمر.

وتسعى الجماعة، من خلال هذا التكتيك، إلى كسب الوقت، وتقليص فرص تشكل تحالف أوسع ضدها، ومنع انتقال المواجهة من مستوى الضربات المحدودة إلى استراتيجية دولية أكثر شمولا لفرض أمن الملاحة في باب المندب.