عرب وعالم

الأحد - 10 مايو 2026 - الساعة 12:10 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


بعد نحو عام ونصف على الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة مع إعلان أول تعديل حكومي تجريه السلطة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، في خطوة تعكس محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة وسط ضغوط اقتصادية متزايدة وانتقادات متصاعدة لأداء الحكومة.

وأعلنت الرئاسة السورية، عبر مراسيم صدرت في وقت متأخر من ليل الأحد، سلسلة تغييرات شملت عدداً من الوزارات والمناصب الإدارية الحساسة، في أول عملية إعادة تشكيل جزئية للحكومة منذ بدء المرحلة الانتقالية التي حدد الإعلان الدستوري مدتها بخمس سنوات.

وشملت التعديلات تعيين خالد زعرور وزيراً للإعلام خلفاً لحمزة مصطفى، الذي نُقل إلى وزارة الخارجية، بينما تم تعيين باسل السويدان وزيراً للزراعة، وهو الذي يقود أيضاً لجنة حكومية مكلفة بالتوصل إلى تسويات مع رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق.

كما تضمنت القرارات تعيين محافظين جدد لمحافظات حمص والقنيطرة ودير الزور، في خطوة اعتبرها مراقبون ذات دلالات سياسية وأمنية واقتصادية، خصوصاً أن دير الزور تضم غالبية حقول النفط السورية وتشكل محوراً مهماً في حسابات السلطة الجديدة.

ورغم أن الحكومة لم توضح الأسباب الرسمية وراء هذه التغييرات، فإن توقيتها يعكس حجم الضغوط التي تواجهها السلطة، في ظل تدهور اقتصادي مستمر، وتراجع مستوى الخدمات، وتصاعد حالة الاستياء خلال الأشهر الأخيرة.

ومنذ سقوط نظام الأسد، راهنت قطاعات واسعة من السوريين على أن تتمكن السلطة الجديدة من تحقيق تحسن سريع في الظروف المعيشية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، إلا أن الواقع الاقتصادي المعقد، وضعف الموارد، واستمرار العقوبات، إضافة إلى الانقسامات الداخلية، جعلت الحكومة تواجه تحديات ثقيلة منذ أيامها الأولى.

وخلال الفترة الماضية، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملات انتقاد متكررة لأداء الحكومة، ترافقت أحياناً مع احتجاجات محدودة في بعض المدن، حيث اتهم ناشطون ومسؤولون سابقون السلطة بالعجز عن معالجة الانهيار الاقتصادي أو تقديم حلول ملموسة للأزمات اليومية المرتبطة بالأسعار والطاقة وفرص العمل.

وفي هذا السياق، ينظر كثيرون إلى التعديل الحكومي باعتباره محاولة من الرئيس أحمد الشرع لامتصاص الغضب الشعبي وإظهار وجود مراجعة داخلية لأداء المؤسسات التنفيذية، خصوصاً أن هذه التغييرات تأتي بعد أشهر من تصاعد الانتقادات الموجهة للحكومة.

ويرى محللون أن اختيار وزارة الإعلام ضمن أولى الوزارات التي طالتها التعديلات يحمل دلالة واضحة، إذ تواجه الحكومة انتقادات تتعلق بضعف خطابها الإعلامي وعدم قدرتها على إدارة التواصل مع الرأي العام، في ظل انتشار واسع للشائعات والتسريبات والاتهامات المتبادلة عبر المنصات الرقمية.

وأما نقل حمزة مصطفى إلى وزارة الخارجية، فيُفسَّر على أنه محاولة للاستفادة من حضوره السياسي والإعلامي في إدارة العلاقات الخارجية، خاصة مع سعي دمشق إلى تعزيز انفتاحها الإقليمي والدولي والحصول على دعم اقتصادي وسياسي للمرحلة الانتقالية.

وفي المقابل، يبدو تعيين باسل السويدان وزيراً للزراعة مرتبطاً بشكل مباشر بالملف الاقتصادي، إذ يُنظر إليه كأحد الشخصيات التي تدير ملف إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال الذين ارتبطوا بالنظام السابق.

وتحاول السلطة الجديدة منذ أشهر استعادة جزء من الأموال والأصول الاقتصادية التي كانت تدور في فلك شبكة النفوذ القديمة، سواء عبر التسويات أو إعادة هيكلة الاستثمارات، في محاولة لتوفير موارد تساعد الدولة على مواجهة الأزمة المالية الحادة.

كما تحمل التغييرات في مناصب المحافظين رسائل متعددة، إذ تسعى الحكومة إلى تعزيز قبضتها الإدارية في مناطق حساسة تشهد تحديات أمنية واقتصادية معقدة.

فمحافظة حمص ما تزال تمثل عقدة جغرافية وسياسية مهمة داخل البلاد، بينما تكتسب القنيطرة حساسية خاصة بسبب موقعها الحدودي، في حين تبقى دير الزور واحدة من أكثر المحافظات أهمية بسبب الثروة النفطية والتركيبة العشائرية والتنافس الإقليمي حول النفوذ فيها.

ولم تقتصر التعديلات على الوزارات والمحافظات، بل شملت أيضاً تعيين أمين عام جديد لرئاسة الجمهورية، بعدما كان المنصب يشغله أحد أشقاء الرئيس أحمد الشرع، وهي الخطوة التي أثارت انتقادات من أطراف معارضة اتهمت السلطة بممارسة المحسوبية وإعطاء الأفضلية للعلاقات العائلية داخل مؤسسات الحكم.

وتعتبر قضية المحسوبية من الملفات الحساسة في سوريا ما بعد الأسد، حيث يطالب كثير من الناشطين والقوى السياسية بضرورة بناء مؤسسات تقوم على الكفاءة والشفافية، بعيداً عن شبكات النفوذ التقليدية التي ارتبطت لعقود بالنظام السابق.

لكن في المقابل، يرى مؤيدون للحكومة أن التعديلات تمثل تطوراً طبيعياً في مسار المرحلة الانتقالية، وأن أي سلطة جديدة تحتاج إلى وقت لإعادة تقييم الأداء وإجراء تغييرات تساعد على تحسين الإدارة وتجاوز الأخطاء الأولى.

ويقول هؤلاء إن البلاد خرجت من مرحلة انهيار سياسي وأمني عميق، وإن إعادة بناء مؤسسات الدولة عملية معقدة تتطلب تدرجاً واستقراراً سياسياً، خصوصاً في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه التعديلات سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة في حياة السوريين، لأن الشارع لم يعد يكتفي بالتغييرات الشكلية أو تبديل المسؤولين، بل ينتظر خطوات عملية لتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وضبط الأسعار، وإعادة تنشيط الاقتصاد.

وفي ظل المرحلة الانتقالية الطويلة التي تعيشها البلاد، تبدو السلطة السورية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تحويل التعديلات الإدارية إلى مسار إصلاحي أوسع يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

وبينما تقدم دمشق هذه الخطوات باعتبارها بداية لمراجعة حكومية داخلية، يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بما إذا كانت هذه التغييرات ستقود فعلاً إلى تحسين الأداء واحتواء الغضب الشعبي، أم أنها ستظل مجرد تعديل محدود في الوجوه داخل منظومة ما تزال تواجه تحديات ثقيلة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.