أخبار اليمن

الأحد - 10 مايو 2026 - الساعة 11:48 ص بتوقيت اليمن ،،،

محمد الجنيدي


وصلتني معلومات نقلها صديق مقرّب يقيم في الرياض، تفيد بأن قيادة المجلس الانتقالي، التي لا تزال تخضع لقيود الإقامة هناك منذ مطلع يناير، تتجه نحو الدخول في اعتكاف سياسي لمناقشة إطلاق مبادرة تهدف إلى إيجاد مسارات موضوعية لإعادة بناء الثقة، ومدّ جسور التقارب بين المملكة والتيارات الوطنية الجنوبية، بما يسهم في ترميم العلاقة الأخوية التي تعرضت لاهتزازات عميقة منذ أحداث يناير الأخيرة.

وبحسب ما نقله صديقي، فإن هذه المساعي تنطلق من حرص القيادات الجنوبية على تجنيب العلاقة مزيدًا من التوتر، ومن قناعة بوجود حاجة حقيقية لمساعدة المملكة على مراجعة أوجه القصور التي رافقت إدارتها للملف الجنوبي، والتي جاءت ـ وفق تقديرهم ـ نتيجة مغالطات ورؤى مضللة دفعت بها بعض الأطراف، بعيدًا عن فهم الأبعاد الوطنية والمسار الكفاحي لشعب الجنوب، وهو ما انعكس خلال الأشهر الماضية في تصاعد الاحتقان واتساع فجوة الثقة، وكشف أن التعامل السطحي مع قضية الجنوب لم يُنتج حلولًا بقدر ما راكم الأزمات.

كنت واضحًا مع صديقي، وأبلغته بأن مئات الآلاف الذين عبّروا عن إرادتهم الشعبية قد منحوا الرئيس الزُبيدي تفويضًا واضحًا، وبالتالي فهو الجهة المخوّلة بقيادة أي مسارات أو مبادرات سياسية مرتبطة بالقضية الجنوبية. إلا أنه رد قائلاً: “لا تكن سلبيًا يا أبو علي، فهذه ليست مبادرة لحل الأزمة بقدر ما هي محاولة لخلق أرضية مناسبة، وإعادة بناء الثقة”.

ثم طرح عليّ سؤالًا مباشرًا: “هل لنا مصلحة في خصومة المملكة؟”
فأجبته: “لا، كما لا ينبغي أن تكون للمملكة مصلحة في تخاصمها مع شعب الجنوب”.

وعاد ليسأل: “وهل تؤيد أي جهد يسعى إلى تعزيز العلاقة مع المملكة وتقريبها من المزاج الوطني الجنوبي؟”
فقلت: “بلا شك”، قبل أن أستدرك بسؤال مقابل: “لكن، هل تلمسون فعلًا رغبة حقيقية لديها في ذلك؟”

فقال: “هناك مؤشرات حرص، ونطمح أن نُسهم في بلورتها عمليًا. كما أن هذه المبادرة لا تدّعي تقديم رؤية شاملة لمعالجة الأزمة، بقدر ما تهدف إلى تهيئة أرضية سليمة تعيد بناء الثقة، وتوازن العلاقة، وتخفف من حالة الخطاب المشحون الذي بلغ حد المجاهرة بوصف أشقائنا بالعدوان والاحتلال”.

وفي ختام الحديث، قلت له: “لست أسيرًا لنظرية المؤامرة، وسأحسن الظن، وسأتعامل مع هذا الجهد باعتباره نابعًا من نية صادقة وحرص حقيقي”. ثم أضفت: “لكن ماذا لو اتضح في النهاية أن المملكة لا تريد لنا خيرًا، ولا حتى لنفسها، باستمرارها أسيرة لوشايات المغالطين؟”

فكان رده: “حينها تكون القيادات الجنوبية قد أدّت ما عليها، وكانت صادقة مع نفسها، ومع شعبها، ومع المملكة أيضًا”.

وأنا أعلم جيدًا أن الجرح لا يزال عميقًا لدى الشارع الجنوبي، وأن حالة الاحتقان بلغت مستويات غير مسبوقة، لذلك لا أستطيع الجزم بمدى قدرة هذه المساعي على تحقيق اختراق حقيقي، خصوصًا أنها تتضمن جملة من المقترحات والإجراءات، من بينها التمسك بمضامين البيان الصادر في الرابع من ابريل الشهر الماضي مع الدفع باتجاه إقتراح تعديلات حكومية تسهم في تحسين علاقة الشارع بالسلطات الحالية وتعزيز مسار الاستقرار، بدل ترسيخ صورة “سلطة الأمر الواقع”.

كما تتضمن ـ وفق ما نُقل لي ـ مقترحات بالنزول إلى الداخل، وفتح نقاشات مع القيادات الجنوبية حول أهمية التعاطي الإيجابي مع دعوات الحوار، وبحث المتطلبات التي قد تساعد على إنضاج هذا المسار، فضلًا عن تبني مبادرة منصفة لجبر ضرر أسر ضحايا القوات المسلحة الجنوبية الذين ارتقوا خلال الأحداث الأخيرة.

ويبقى السؤال الأهم:
هل يمكن لمثل هذه الإجراءات أن تجد قبولًا لدى الشارع الجنوبي، وأن تسهم فعلًا في طي صفحة الماضي وفتح نافذة لمرحلة جديدة؟