أخبار وتقارير

الجمعة - 10 أبريل 2026 - الساعة 12:45 م بتوقيت اليمن ،،،

مختار الدبابي


في لحظة إقليمية دقيقة تتسم بالغموض والتوتر المنضبط، يبرز سؤال جوهري: من يمتلك أوراق القوة الحقيقية اليوم، دول الخليج أم إيران؟ ومرد هذا السؤال الخطاب الدعائي لإيران وأنصارها وسردية “النصر”، في وقت ستجد فيه إيران نفسها محاصرة بالأزمات الداخلية والإقليمية، فيما تمتلك دول الخليج مجتمعة أو بشكل منفرد أوراقا مختلفة تمكنها من إدارة التوتر مع إيران في وضع أفضل.

الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لا يمكن قراءته باعتباره خطوة بروتوكولية عابرة، بل يعكس توجها إيرانيا واضحا نحو تهدئة الخواطر مع دول الخليج.

ويعزز هذا الانطباع ما أعلنته الإمارات من عدم تعرض أجوائها لأي اعتداء، وهو مؤشر إضافي على أن طهران تتجه إلى الالتزام بسقف معين من التصعيد، وتفادي نقل المواجهة إلى المجال الخليجي، حتى في ظل ما تعتبره خروقات إسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار من خلال استهداف لبنان في وقت تقول إيران إن الاتفاق يشمل حزب الله وبقية مجموعات “محور المقاومة”.

وقد تبادر إيران إلى توجيه ضربات لبعض المنشآت النفطية، كما حصل مساء الخميس ضد منشآت سعودية، للرد على ما تقول إنه اختراق إسرائيلي لوقف إطلاق النار. المفارقة أنها بدلا من الرد على إسرائيل بشكل مباشر تستهدف دول الجوار.

هذه الوضعية الرمادية تطرح تساؤلا مركزيا: هل تملي إيران شروط التهدئة من موقع قوة، أم أنها مضطرة إليها تحت ضغط توازنات غير مواتية؟

من الواضح أن الخطاب الإيراني الرسمي يميل إلى تضخيم سردية “النصر”، في محاولة لاحتواء تداعيات الخسائر التي طالت بنية الدولة، سواء على مستوى القيادات العسكرية أو المؤسسات الأمنية أو البنية التحتية. غير أن هذه السردية، عند تفكيكها، تبدو أقرب إلى خطاب تعبوي موجه للداخل ولدوائر التعاطف الإقليمي. فهي تستهدف الحفاظ على تماسك جمهور طائفي مؤيد، وبعض النخب العربية التي تبنت الموقف الإيراني في سياق الخصومة التاريخية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

في المقابل، تبدو دول الخليج في موقع أكثر تماسكاً من حيث القدرة على إدارة الأزمة دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. فهي تدرك أن قوتها لا تكمن فقط في أدواتها العسكرية، بل أساساً في وزنها الاقتصادي العالمي، وقدرتها على التأثير في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. هذا العامل تحديداً يحدّ من خيارات إيران، خاصة في ما يتعلق بإمكانية تعطيل الملاحة أو إعاقة تدفقات النفط والغاز.

من المهم الإشارة أولا إلى أن إيران وقفت على حقيقة لم تكن تتوقعها، وهي أن دول الخليج ليست متواضعة عسكريا حتى يمكن الاجتراء عليها مستقبلا، حيث نجحت مضادات الدول الخليجية في إبطال مفعول أكثر من تسعين في المئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية، ما يجعل طهران تفكر مستقبلا في تلافي هذا الأسلوب العدواني تجاه الجيران.

يمكن لدول الخليج أن تعزز موقعها كقوة ناشئة عبر تنسيق سياسي عالي المستوى يترجم إلى مواقف موحدة في القضايا الإقليمية الحساسة، بدل الاكتفاء بردود فعل منفردة، ذلك أن العدوان الإيراني المباشر لم يعد يسمح بمواقف مرتبكة. فبناء جبهة دبلوماسية متماسكة، تُفعّل قنوات الحوار مع القوى الكبرى وتُحسن إدارة التباينات البينية، من شأنه أن يبعث برسالة واضحة إلى إيران مفادها أن الخليج لم يعد ساحة رخوة للمناورة.

هذا التنسيق يجب أن يمتد إلى صياغة خطاب سياسي مشترك، يحدد خطوطاً حمراء متفقاً عليها، ويوازن بين الانفتاح على التهدئة والقدرة على الردع. ليس الهدف هو التهدئة في حد ذاتها، ولكن الضغط على تحصيل ضمانات إيرانية برعاية دولية وازنة لعدم العودة إلى تنفيذ ضربات جزئية أو كلية بشكل مباشر أو عبر وكلاء في ضوء ترجيحات أن إيران يمكن أن توكل للميليشيات الحليفة مهمة تنفيذ عمليات انتقامية ضد المنشآت النفطية الخليجية كما حصل في 2019.

من المهم أن تتبنى دول الخليج مطلب التعويضات على الخسائر التي لحقتها من العدوان الإيراني، وهو مطلب مشروع، ومن السهل الحصول على دعم له في مجلس الأمن لأنه لا يوجد شيء يبرر ذلك العدوان. والهدف ليس فقط الحصول على التعويضات، ولكن ليتيقن الإيرانيون مستقبلا من أن العودة إلى مثل هذه المغامرة مكلف سياسيا واقتصاديا، وأن دول الخليج لديها من القدرة على إحكام الحصار على إيران جراء ذلك.

تمتلك دول الخليج أوراق قوة مؤثرة يمكن توظيفها بشكل جماعي، من خلال تنسيق سياسات الطاقة، وتعزيز التكامل في سلاسل الإمداد، وتوجيه الاستثمارات الإستراتيجية بما يخدم المصالح المشتركة. فإظهار القدرة على التأثير في الأسواق العالمية، سواء عبر الإنتاج أو التسعير أو الشراكات، يعزز مناعة الخليج أمام الضغوط، ويجعل أي محاولة لزعزعة استقراره مكلفة على المستوى الدولي، بما في ذلك على شركاء إيران أنفسهم.

أما على الصعيد الدولي، فإن توحيد أدوات التأثير— من الشراكات الاقتصادية إلى النفوذ الدبلوماسي — يمكن أن يخلق شبكة مصالح تجعل استقرار الخليج أولوية عالمية. حينها، تدرك طهران أن التعامل مع كل دولة على حدة لم يعد مجدياً، وأن المنطقة باتت كتلة إستراتيجية يصعب اختراقها عبر التكتيكات التقليدية من تصعيد وتهدئة انتقائية.

صحيح أن إيران تمتلك أدوات للإزعاج والعرقلة الجزئية، سواء عبر التهديد بمضيق هرمز أو من خلال أدوات غير مباشرة، لكن الانتقال إلى مستوى التعطيل الشامل يبدو خيارا مستبعدا. فمثل هذه الخطوة لن تستهدف دول الخليج فقط، بل ستضع طهران في مواجهة مع منظومة اقتصادية دولية واسعة، تشمل قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إلى جانب دول أخرى تربطها بإيران علاقات تعاون أو تعاطف نسبي مثل الهند، فضلا عن دول أوروبية كفرنسا وإيطاليا.

إغلاق أو تعطيل سلاسل الإمداد لن يُفسر كخطوة تكتيكية في نزاع إقليمي، بل كتهديد مباشر للاقتصاد العالمي، وهو ما لا تستطيع إيران تحمّل تبعاته سياسيا أو اقتصاديا. فحتى حلفاؤها لن يكونوا مستعدين لدفع كلفة اضطراب إمدادات الطاقة أو تعطل مصالحهم الاستثمارية والتجارية.

ومن هنا، تدرك طهران حدود قدرتها على التصعيد. فهي تعلم أن نفوذ دول الخليج يتجاوز الإطار الإقليمي، ويمتد إلى شبكة مصالح دولية تجعل من الصعب على أي طرف، حتى من حلفاء إيران، أن يغامر بالاصطفاف ضد الخليج في ملف يمس الأمن الطاقي العالمي. ومن المرجح أن مواقف بعض القوى الكبرى، التي قد تعارض إجراءات دولية ضد إيران في سياقات معينة، تظل مرتبطة بحسابات سياسية ظرفية، لكنها لن تصل إلى حد تغطية خطوات تهدد مصالحها الاقتصادية الحيوية.

يعرف الإيرانيون التأثير الخارجي لدول الخليج بما في ذلك لدى دول صديقة لإيران، والتي لا يمكن بأي شكل أن تختار إيران مقابل تهديد مصالحها المالية والاستثمارية الكبرى وحصولها على النفط والغاز.

في هذا السياق، يمكن فهم التوجه الإيراني نحو التهدئة ليس كخيار طوعي بالكامل، بل كاستجابة واقعية لميزان قوى يميل، في هذه المرحلة، لصالح دول الخليج على المستوى الاقتصادي والدولي، حتى وإن احتفظت إيران بأوراق ضغط أمنية وعسكرية محدودة.

والخلاصة أن معادلة القوة الحالية لا تُحسم فقط بقدرات عسكرية أو شعارات سياسية، بل بمدى القدرة على التأثير في النظام الاقتصادي العالمي وإدارة شبكة العلاقات الدولية. وفي هذا الميزان تحديداً، تبدو دول الخليج في موقع أكثر قوة، فيما تميل إيران إلى اعتماد سياسة “خفض التصعيد” لتفادي خسائر أكبر، بانتظار تغير محتمل في موازين القوى.