الخميس - 28 مايو 2026 - الساعة 11:07 ص
مع انكفاء الحوثيين، لأسباب قد تعود إلى تدجينهم عبر دفع الرواتب التي يحتاجون إليها، وإلى تراجع قدرة إيران على تهريب السلاح والمال إليهم، يبقى مطروحًا مصير اليمن في السنوات المقبلة. كيف سيكون تعاطي دول المنطقة مع دولة ذات أهمية إستراتيجية، تبدو أراضيها حاجةً إلى تجاوز مضيق هرمز؟
لدى طرح هذا السؤال عن الأهمّية الإستراتيجية لليمن، حيث كيان أيديولوجي مرتبط بتحقيق مصالح إيران، لا يمكن تجاهل تواريخ مهمّة تتحوّل مع مرور السنوات إلى تواريخ منسية. يعود ذلك إلى أحداث معيّنة من نوع تلك التي مرّ فيها اليمن الذي توحّد في 22 أيار – مايو 1990 وبات الآن دولة في طريق التشظي في غياب سلطة مركزيّة، من أي نوع، يمكن أن تعيد الحياة إلى بلد ذي أهمّية إستراتيجية كبيرة. لليمن أهمّية إستراتيجيّة، أقلّه من زاوية كونه جزءا لا يتجزّأ من شبه الجزيرة العربية من جهة وبسبب الساحل الذي يمتلكه، من بحر العرب إلى البحر الأحمر، من جهة أخرى.
إذا كانت حرب الخليج الدائرة حاليا كشفت شيئا، فهي كشفت أن اليمن كان يجب أن يكون موضع اهتمام خليجي أكبر كي يمكن الاستغناء، وإن نسبيا، عن مضيق هرمز الذي تستخدمه “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران في عملية ابتزاز مستمرّة لدول المنطقة والعالم. الأهمّ من ذلك، كان ضروريا وجود جهد عربي، خليجي وغير خليجي، من أجل الحؤول دون قيام الكيان الحوثي منذ أيلول – سبتمبر من العام 2014. في الواحد والعشرين من ذلك الشهر أطبق الحوثيون على صنعاء وجعلوا منها عاصمة عربيّة أخرى تابعة لطهران.
ليس سرّا أن الوحدة اليمنية، التي كانت بين دولتين مستقلّتين هما “الجمهوريّة العربيّة اليمنيّة” في الشمال و”جمهوريّة اليمن الديموقراطيّة الشعبيّة” في الجنوب، ولدت في ظلّ ظروف معيّنة لا يمكن أن تتكرّر يوما. في مقدّم هذه الظروف، كان انهيار الإتحاد السوفياتي الذي كان اليمن الجنوبي يدور في فلكه. لعب انهيار الإتحاد السوفياتي دوره في سقوط النظام في الجنوب، وكانت النتيجة دولة الوحدة، التي جلس علي عبدالله صالح على رأسها.
من دولة الوحدة، إلى حال التشظي القائمة حاليا، من الضروري الاعتراف بأن اليمن الموحّد، كان دولة مركزيّة. كانت صنعاء تمثّل المركز. استطاع الرئيس الراحل السيطرة على كلّ اليمن، بشماله وجنوبه، خصوصا بعدما تخلّص من الحزب الاشتراكي، نتيجة حرب صيف 1994. كان الاشتراكي ممثلا بالراحل علي سالم البيض شريك علي عبدالله صالح في الوحدة.
لا حاجة إلى استعادة أحداث اليمن منذ القضاء على محاولة الانتهاء من الوحدة، عبر مغامرة كان خلفها علي سالم البيض الذي أدرك باكرا لا كيمياء بينه وبين علي عبدالله صالح. كان الأخير مصرّا على حكم اليمن على طريقته استنادا إلى توازنات يعرف وحده سرّها.
لكنّ اللافت أنّ حلفاء “الزعيم” اليمني الراحل من الإخوان المسلمين، ومن لفّ لفهم، ما لبثوا أن انقلبوا عليه لاحقا. لعب هؤلاء دورا محوريا في الانتهاء من نظام أسرة علي عبدالله صالح في العام 2011. في الواقع، لم يكن الأمر يتعلّق بنظام مرتبط بالأسرة فحسب، بل كانت المسألة أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.
ما يستحيل الهرب منه أن الوحدة اليمنيّة لعبت دورا في غاية الأهميّة على صعيد ترسيم الحدود اليمنيّة – السعوديّة وقبل ذلك الحدود اليمنية مع سلطنة عُمان. كذلك، ساعدت الوحدة في صدّ الخطر الذي كانت تمثّله إريتريا – اسياس أفورقي، التي أرادت الاستيلاء على جزيرة حنيش الكبرى اليمنيّة في البحر الأحمر.
سمحت الوحدة بالتعامل مع قضايا شائكة من نوع قضية الحدود مع المملكة السعودية وسلطنة عُمان بهدوء بعيدا عن مزايدات الشمال على الجنوب والجنوب على الشمال.
ما يستحيل الهرب منه، أيضا، يتمثّل حاليا في أن لا مجال لدول الخليج العربي من التعاطي مع واقع يمني جديد بعدما أقامت إيران مستعمرة في مناطق شمالية يمنيّة. أقامت إيران، عن طريق الحوثيين، قاعدة خاصة بها في اليمن. صحيح أن الحوثيين هدأوا قليلا في الأشهر القليلة الماضية. لكن الصحيح أيضا أن إيران ربّما تسعى مجددا إلى تحريكهم البحر الأحمر وخليج عدن. هل يستمرّ هدوء الحوثي طويلا؟ هل يبقى للمغريات التي تساعد على تهدئتهم مفعول المسكّن… أم يزول مفعول هذه المسكنات قريبا؟
صارت الحاجة إلى التعاطي مع اليمن من منظور إقليمي جديد. يقوم هذا المنظور على الاعتراف بأن الوحدة اليمنيّة صارت من الماضي وأنّه لا يمكن الرهان على “الشرعيّة” القائمة حاليا والتي لم تستطع ممارسة أي ضغط، من أي نوع على الحوثيين.
يبقى أنّ المنظور الأهم الذي لا بد من اعتماده، منظور ما العمل باليمن مستقبلا وكيف الاستفادة الخليجية من أرضه وساحله الطويل في عملية تجاوز مضيق هرمز؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي يستحيل تجاهله، وهو سؤال مرتبط بمستقبل الحوثيين وإيران في اليمن وكيفية التخلّص من تلك القاعدة العسكريّة التي أقامتها “الجمهوريّة الإسلاميّة” في شبه الجزيرة العربيّة. قامت هذه القاعدة أساسا من أجل ابتزاز كلّ دولة من دول الخليج العربي وإشعارها بأنّها مهدّدة دائما من إيران…
يبقى أيضا، أنّه على الرغم من ذلك كلّه، يوجد اعتقاد لدى جهات معيّنة تعرف اليمن جيدا بأنّ الحوثيين مستعدون للانضمام إلى عمليّة سياسية تؤدي إلى إعادة تركيب البلد بعدما خفّ النفوذ الإيراني في صنعاء. هل هذا التفاؤل في محلّه؟ وحدها الأيام ستكشف ما إذا كان في الإمكان التفريق بين الحوثيين و”الحرس الثوري” الإيراني وما إذا كان لدى الحوثيين بقايا وطنيّة يمنيّة وليس انبطاحا أمام الإيديولوجيا التي أتى بها “الحرس” و “حزب الله” اللبناني إلى شمال اليمن قبل سنوات طويلة.