كتابات وآراء


الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 11:28 ص

كُتب بواسطة : توفيق جوزليت - ارشيف الكاتب



لم تكن التحولات التي أعقبت حرب 1994 محصورة في المجال السياسي، بل امتدت إلى الفضاء الثقافي والتعليمي والإعلامي، وهو ما جعل معركة الهوية تنتقل من مستوى الدولة إلى مستوى الوعي والمجتمع والثقافة.
بعد الحرب، شهد الجنوب سياقاً جديداً حاولت فيه السلطة السياسية في صنعاء إعادة صياغة المجال العام بما يعكس سردية المنتصر. وقد تجلّى ذلك في تغييرات طالت المناهج التعليمية، والإعلام الرسمي، والبنية الإدارية، إضافة إلى تراجع حضور الرموز التاريخية والثقافية الجنوبية في الفضاء العام.

هذا التحول خلق شعوراً متنامياً لدى شرائح واسعة من المجتمع الجنوبي بأن القضية لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل أصبحت مرتبطة بمحاولة إعادة تشكيل الهوية التاريخية والثقافية، وإضعاف الخصوصية الجنوبية ضمن إطار وطني مركزي.

في هذا السياق، برز الأدب بوصفه أحد أهم أدوات المقاومة الناعمة. فقد تحولت الكلمة الإبداعية إلى وسيلة لتوثيق الذاكرة، وحماية التاريخ، والتعبير عن التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشها الجنوب.

لعب الشعراء والروائيون والكتاب دوراً محورياً في إبقاء القضية الجنوبية حاضرة في الوعي العام، من خلال نصوص حملت مضامين الهوية والانتماء والذاكرة والمعاناة. كما ساهمت الأغنية الجنوبية في ترسيخ الوجدان الجمعي، وربط الأجيال الجديدة بتاريخها وهويتها الثقافية.

واجه المثقف الجنوبي خلال هذه المرحلة تحديات كبيرة، تمثلت في تراجع المساحات الثقافية المستقلة، وتعرض بعض النخب للإقصاء والتهميش، إلى جانب القيود التي فرضت على التعبير السياسي والثقافي في بعض الفترات.

ورغم ذلك، لم يتراجع الدور الثقافي، بل اتجه نحو تعزيز حضوره في المجتمع، وتحول المثقف من مجرد منتج للمعرفة إلى فاعل في معركة الوعي، ومسؤول عن حماية الذاكرة الجمعية من محاولات التشويه أو الطمس.

في خضم هذا الحراك الثقافي، برز اتحاد الأدباء والكتاب الجنوبيين ( الذي توقف لظروف قاهرة، و استمر أعضاؤه في العطاء الأدبي الملتزم ) بوصفه إطاراً مؤسساتياً لعب دوراً محورياً في تنظيم وتفعيل الحراك الثقافي الجنوبي خلال العقدين الماضيين…فقد ساهم الاتحاد في تجميع الطاقات الإبداعية الجنوبية، وتوفير منصة للتعبير الأدبي والفكري، وتنظيم الفعاليات الثقافية التي تعكس هموم المجتمع الجنوبي وقضاياه التاريخية والسياسية. كما لعب دوراً في إبقاء الصوت الثقافي الجنوبي حاضراً في الفضاء العام، رغم التحديات السياسية والاقتصادية التي واجهت المؤسسات الثقافية.

ولم يقتصر دور الاتحاد ( الذي توقف لظروف قاهرة ) على النشاط الأدبي فقط، بل أصبح مساحة للتفاعل بين المثقفين، وإعادة إنتاج الخطاب الثقافي الجنوبي، بما يعزز الوعي بالهوية والانتماء. وبهذا، تحوّل الاتحاد إلى أحد أهم الأطر التي ساهمت في ما يمكن وصفه بـ”المقاومة الثقافية المنظمة”، التي عملت على حماية الذاكرة الجنوبية من التهميش والإقصاء.

تكشف التجربة الجنوبية بعد 1994 أن الهوية ليست مجرد مفهوم سياسي، بل هي بنية ثقافية واجتماعية تتجذر في الذاكرة واللغة والفن والأدب. ومن هنا، فإن حماية الهوية لا تتحقق فقط عبر الفعل السياسي، بل أيضاً عبر الفعل الثقافي الذي يقوم به المثقف والمبدع.

لقد أثبت الأدب الجنوبي أن الثقافة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال الصمود، وأن الوعي الجمعي يمكن أن يُحافَظ عليه عبر الكلمة …فالمثقف الجنوبي بعد 1994 لم يكن مجرد شاهد على التحولات، بل كان جزءاً من الفعل المقاوم لها على المستوى الثقافي والفكري. فقد أسهم الأدب والفن والصحافة الثقافية في إبقاء الهوية الجنوبية حية في الوعي الجمعي، وفي مواجهة محاولات التهميش أو الإلغاء.