عرب وعالم

الإثنين - 26 يناير 2026 - الساعة 10:44 ص بتوقيت اليمن ،،،

علي قاسم


منذ أن اجتاح العراق الكويت في صيف عام 1990، دخلت المنطقة في مسار طويل من الأزمات التي انتهت بغزو شامل للعراق وسقوط بغداد في أبريل 2003. ذلك المسار لم يكن مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية والدبلوماسية، بل كان نموذجاً لكيفية بناء سيناريو سياسي وإعلامي يهيئ الرأي العام الدولي لتقبل الحرب، ويمنح الغطاء القانوني والأخلاقي للتدخل.

الولايات المتحدة، التي قادت التحالف الدولي لتحرير الكويت، لم تكتف بإنهاء الأزمة عند حدودها، بل أبقت العراق تحت حصار اقتصادي خانق، وفرضت عليه مناطق حظر جوي، وأبقت ملف أسلحة الدمار الشامل مفتوحاً كذريعة دائمة. ومع مرور الوقت، تحول العراق إلى حالة استثنائية في النظام الدولي، دولة محاصرة ومعزولة، لكنها لم تُسقط، بل تُركت لتتآكل ببطء حتى جاء حدث 11 سبتمبر 2001 ليمنح واشنطن فرصة إعادة صياغة أولوياتها تحت شعار الحرب على الإرهاب.

في تلك اللحظة، أصبح العراق هدفاً مثالياً لإعادة إنتاج خطاب الخطر العالمي. تقارير استخباراتية مشكوك فيها، صور أقمار صناعية غير حاسمة، وشهادات منشقين لم تصمد أمام التحقيق، كلها جرى توظيفها لتأكيد أن بغداد تخفي برامج نووية وكيماوية وبيولوجية تهدد الأمن الدولي. لم يكن الهدف مجرد إقناع الداخل الأميركي، بل بناء توافق دولي يسمح بالتحرك العسكري. ومع أن مجلس الأمن لم يمنح تفويضاً صريحاً، فإن إدارة جورج بوش الابن مضت قدماً في تشكيل “تحالف الراغبين”، لتبدأ الحرب في مارس 2003 وتنتهي بسقوط بغداد بعد ثلاثة أسابيع فقط. النتيجة كانت انهيار الدولة العراقية، دخولها في فوضى أمنية وسياسية، وفتح الباب أمام صراعات إقليمية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

هذا النموذج يبدو اليوم وكأنه يُعاد إنتاجه في الحالة الإيرانية. منذ سنوات، تتبنى واشنطن خطاباً يقوم على شيطنة النظام الإيراني، ليس فقط بسبب سياساته الداخلية وقمعه للمعارضة، بل أيضاً بسبب برنامجه النووي وصواريخه الاستراتيجية ونفوذه الإقليمي. في كل مرة تخرج فيها احتجاجات شعبية في إيران، تسارع الولايات المتحدة إلى التهديد بفرض عقوبات إضافية أو تحميل النظام مسؤولية أي قمع، لكنها سرعان ما تلتزم الصمت حين تتصاعد أعداد القتلى. هذا الصمت لا يعني غياب الاهتمام، بل يعكس سياسة الانتظار حتى تنضج الظروف، تماماً كما حدث مع العراق في التسعينيات حين تُرك النظام يتآكل تحت العقوبات إلى أن جاء الظرف الدولي المناسب لتوجيه الضربة.

الملف النووي الإيراني يشبه إلى حد بعيد ملف أسلحة الدمار الشامل العراقي. تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تصريحات المسؤولين الأميركيين، والجدل حول أجهزة الطرد المركزي ومستويات تخصيب اليورانيوم، كلها تُستخدم لبناء صورة عن تهديد وشيك. ومع أن إيران تؤكد أن برنامجها سلمي، فإن الخطاب الأميركي يركز على إمكانية تحوله إلى سلاح نووي، وهو ما يُقدَّم باعتباره خطراً لا يمكن للعالم أن يتجاهله. هذا الخطاب لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يجد صداه في بعض العواصم الأوروبية والإقليمية التي ترى في إيران منافساً أو خصماً استراتيجياً.

في الوقت نفسه، يجري توظيف ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية كعنصر إضافي في سردية الخطر. الحديث عن مدى الصواريخ وقدرتها على الوصول إلى قواعد أميركية أو مدن إسرائيلية يذكّر بالخطاب الذي استخدم ضد العراق حين جرى تضخيم قدراته الصاروخية والكيماوية. الفارق أن إيران تمتلك بالفعل شبكة صاروخية متطورة ونفوذاً إقليمياً واسعاً عبر حلفائها في لبنان واليمن والعراق وسوريا، ما يجعل أي مواجهة معها أكثر تعقيداً من مواجهة العراق الذي كان معزولاً وضعيفاً نسبياً عشية الغزو.

الولايات المتحدة تبدو وكأنها تسير في مسار مشابه: تشجيع المعارضة، التلويح بالعقوبات، بناء سيناريو عن تهديد عالمي، ثم انتظار اللحظة المناسبة لتوجيه ضربة قد لا تتوقف قبل إسقاط النظام. هذا المسار يجد دعماً في الداخل الأميركي حيث يُقدَّم النظام الإيراني باعتباره جزءاً من محور الشر، وفي الخارج حيث تُستخدم المخاوف الإقليمية من النفوذ الإيراني لتبرير التصعيد. ومع أن الظروف الدولية اليوم أكثر تعقيداً، في ظل صعود الصين وتنامي دور روسيا، فإن واشنطن لا تزال قادرة على حشد تحالفات إذا قررت المضي في هذا الاتجاه.

التشابه بين العراق وإيران لا يعني أن النتيجة ستكون بالضرورة واحدة. العراق كان دولة منهكة تحت حصار طويل، بينما إيران دولة ذات قدرات اقتصادية وعسكرية أكبر، ولها شبكة تحالفات إقليمية تجعل أي ضربة ضدها أكثر خطورة على استقرار المنطقة. لكن التشابه في الخطاب والأدوات واضح: شيطنة النظام، تضخيم المخاطر، استخدام حقوق الإنسان كمدخل، والتركيز على أسلحة الدمار الشامل أو ما يعادلها. هذه العناصر كانت كافية لتبرير غزو العراق، وقد تكون كافية لتهيئة الرأي العام الدولي لتقبل ضربة ضد إيران.

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت الولايات المتحدة بالفعل تستعد لحرب لا تتوقف قبل إسقاط النظام الإيراني، أم أنها تستخدم هذه الأدوات للضغط والتفاوض. التاريخ يعلمنا أن بناء سيناريو الحرب لا يعني بالضرورة خوضها، لكنه يجعلها خياراً مطروحاً على الطاولة. في حالة العراق، جرى استخدام كل الأدوات حتى أصبح الغزو حتمياً. في حالة إيران، قد يكون الهدف هو دفع النظام إلى تنازلات كبرى في الملف النووي والإقليمي، لكن احتمال الحرب يظل قائماً، خاصة إذا استمرت واشنطن في تصوير إيران كتهديد وجودي.

من العراق إلى إيران، يبدو أن الولايات المتحدة تعيد استخدام نفس القاموس السياسي والإعلامي. الخطر المزعوم، السردية الأخلاقية، التحالفات الدولية، والانتظار حتى تنضج الظروف. الفارق أن العالم اليوم أكثر انقساماً، وأن أي ضربة لإيران لن تكون مجرد تغيير نظام، بل قد تفتح الباب أمام فوضى إقليمية أوسع بكثير من تلك التي أعقبت سقوط بغداد. ومع ذلك، فإن التشابه في المسار يثير القلق، ويجعل من الضروري قراءة ما يجري في إيران ليس فقط كأزمة داخلية، بل كجزء من إعادة إنتاج سيناريو العراق في نسخة جديدة، قد تكون أكثر تكلفة وأكثر خطورة على الجميع.

العرب