أخبار اليمن

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 12:00 ص بتوقيت اليمن ،،،

مختار الدبابي


تراجع عيدروس الزبيدي قائد المجلس الانتقالي الجنوبي في آخر لحظة عن مرافقة الوفد الذي غادر إلى الرياض. وسرعان ما اتخذ مجلس القيادة الرئاسي بزعامة رشاد العليمي قرارا بتجميد عضوية الزبيدي وإحالته إلى التحقيق، وهو ما يظهر أن الإجراءات كانت ردة فعل على غياب القيادي الجنوبي عن اجتماع الرياض، وليست مقررة سلفا، كما أنها تتعلق به ولا تتعلق بالمجلس الذي يترأسه.

ربما كانت للزبيدي حسابات خاصة أو مخاوف من التوجه إلى السعودية، أو ربما أراد اختبار النوايا بشأن عقد المؤتمر الجنوبي في الرياض وطريقة التعاطي مع وفد المجلس الانتقالي. ثمة شكوك متبادلة، ويفترض أن يتم تبديدها عن طريق استقبال الوفد الجنوبي والاستماع إليه، وهو ما حصل فعلا، حيث أكد أعضاء من الوفد أن الأمور تسير بشكل حيد، وأنهم يثمنون “جهود الأشقّاء في المملكة على دعوتهم ورعايتهم لمؤتمر الحوار الجنوبي الخاص بإيجاد حل لقضية الجنوب”، و”الدعم الكامل والثقة المطلقة” تجاه السعودية.

لو انتظر مجلس القيادة الرئاسي 24 ساعة فقط لوجد أن الأمور تسير بشكل سلس حتى لو لم يحضر الزبيدي أو اختفى، وأن التوجه العام داخل المجلس الانتقالي مع الحوار وضد معاداة السعودية، وأنه تم النفخ في التوتر الأخير لصالح جهات داخل “الشرعية اليمنية” تريد توسيع الخلاف بين الانتقالي الجنوبي والمملكة بهدف الاستئثار بالدعم السعودي.

وما يظهر رغبة تلك الجهات في الدفع نحو إحداث قطيعة بين الانتقالي والسعودية هو التعجيل بتغيير القيادات العسكرية والأمنية والمحافظين وإنهاء الترتيبات التي وضعها اتفاق الرياض بشأن الشراكة بين مكونات “الشرعية”، والسعي لإظهارها وكأنها تعليمات سعودية.

الرسالة واضحة، وهو منع جلوس الانتقالي للحوار مع السعودية، ودفعه إلى التصعيد، وهي خطة تهدف إلى إفراغ مؤتمر الجنوبيين في الرياض من أي قيمة والمس من قيمة التعهدات السعودية، خاصة أن السعوديين عرفوا لدى اليمنيين بالوضوح الكامل والرغبة في توسيع دائرة التهدئة وليس خلق مناخ للانشقاقات والصدام.

يعرف السعوديون أن “الشرعية” دون المجلس الانتقالي لا وزن لها، وأنها لا تقدر على فرض الاستقرار الأمني والسياسي لأن متكونة من أجسام سياسية فضفاضة دون تأثير على الأرض، وهي تتخفى وراء دور المملكة وجهودها الداعمة لليمنيين، وبدون السعودية فهي لا تقدر على شيء.

يتذكر اليمنيون والسعوديون أن “الشرعية” فشلت في تحرير صنعاء بل والتقدم على الأرض لبعض كيلومترات بالرغم من الإسناد الجوي من طيران للتحالف العربي بقيادة السعودية، التي وجدت نفسها كما لو أنها تقاتل لوحدها وتعرضت لانتقادات شديدة بسبب الاعتماد على الطيران والأضرار الجانبية على المدنيين، وتوترت علاقتها مع دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا بسبب ذلك ما قاد إلى حظر حصولها على بعض أنواع الأسلحة واستهدافها بحملات إعلامية.

وفي مقابل فشل “الشرعية” في تحقيق اختراق في الحرب على الحوثيين، نجح المجلس الانتقالي الجنوبي عن طريق دعم مباشر من الإمارات في طرد الحوثيين من عدن ومن محافظات جنوبية مختلفة، ومهد الطريق لـ”الشرعية” لاتخاذ عدن عاصمة مؤقتة للحكومة المعترف بها دوليا، وهو اعتراف نابع بالأساس من تأثير السعودية ووزنها الإقليمي والدولي، وليس مكافأة لـ”شرعية” لا وزن حقيقيا لها، وأغلب قياداتها مستقرون في الرياض ويتمتعون بمزايا وخدمات فاخرة أثارت ضدهم الكثير من الانتقادات بين اليمنيين.

ربما يفيد تحييد الانتقالي الجنوبي وزرع الشقاق بينه وبين السعودية بعض القوى مثل حزب الإصلاح الإخواني في أن يستأثروا بالشرعية ويحولونها إلى ورقة للاعتراف الإقليمي، وخاصة من المملكة، وكذلك ورقة لفرض نفوذهم على الأحزاب الصغيرة والمجاميع القبلية، لكن المشكلة لا تقف هنا، ذلك أن السعودية تستعجل التوصل إلى تهدئة شاملة في اليمن تحررها من تداعيات تدخلها المباشر في الحرب وتتيح لها التفرغ لتنفيذ مشاريعها الكبرى التي حوتها رؤية 2030.

ووجود ثلاثة كيانات متنافرة (الحوثيون، الانتقالي الجنوبي، “الشرعية” تحت إدارة الإخوان)، سيعني تهديدا للأمن القومي السعودي على المدى المتوسط والبعيد، والسلطة “الشرعية” حتى لو كانت موالية لها فلن تمثل ضمانة للمملكة بأي شكل في ضوء ضعفها وتلون مواقفها واستعدادها لتغيير الحلفاء.

ورغم الحدة التي أبداها السعوديون تجاه قيادة المجلس الانتقالي بعد هجوم بداية ديسمبر على حضرموت والمهرة، إلا أنهم لا يريدون الانزلاق إلى ما يخطط له حلفاء الشرعية بفتح جبهة جديدة ضد الانتقالي تضاف إلى جبهة الحوثيين. السعوديون وجهوا غضبهم إلى الزبيدي رغم معرفتهم بأنه لا يتحرك كفرد وأن الهجوم على حضرموت خاصة كان بالتنسيق مع قيادات الانتقالي الجنوبي بمن في ذلك القيادات التي وصلت الأربعاء إلى السعودية وتصدر تصريحات متفائلة بشأن مؤتمر الحوار وخاصة لا تخفي دعمها لما تقوم به السعودية.

والهدف من ربط الأزمة بشخص الزبيدي دون غيره هو ضمان استمرار قنوات التواصل مع الجسم القيادي للانتقالي الجنوبي وعدم دفعه إلى معاداة الرياض، والاستمرار داخل شرعية منهكة وكثيرة الكلام، ووجوده فيها سيعطيها وزنا وقيمة يمنيا وإقليميا ودوليا، بالحد الذي يحافظ على الاعتراف الخارجي بها.

قد يكون التفريق بين المجلس الانتقالي ورئيسه الزبيدي مناورة تقوم على مبدأ تفكيك نفوذ الكيان الجنوبي تدريجيا وتجنب قرار صادم بضرب الانتقالي حتى لا تثير “الشرعية” ومن ورائها السعودية غضب الجنوبيين، لكن النتيجة واحدة، وهي الاعتراف بوزن المجلس وتأثيره في محافظات الجنوب وأنه عنصر رئيسي في معادلة الاستقرار اليمني.

وأبدى الانتقالي براغماتية كبيرة من خلال القبول بفكرة تحييد رئيسيه وانسحابه من المشهد، ولو مؤقتا، وأطلق قياديون جنوبيون تصريحات تشيد بالسعودية ودورها وتعبر عن الاستعداد للتعاون معها لإنجاح مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي، وهذا أمر مفهوم ومبرر لأن أي كيان لا يمكن أن يكون له دور مستقبلي في اليمن بمنأى عن رضاء السعوديين ودعمهم المالي والاستثماري وقبل ذلك، والأهم رضاؤهم السياسي، وهو أمر يكفله لهم وزنهم الإقليمي والدولي.

الانتقالي جنب نفسه عزلة كانت ستكون شديدة ومحكمة في ظل قدرة السعوديين على كسب ود مختلف القوى المحلية والإقليمية إلى صفهم، وهو ما يفسر تصريحات المحافظين المحليين في محافظات مثل حضرموت والمهرة وشبوة ممن أعلنوا ترحيبا كبيرا بفكرة المؤتمر الجنوبي الشامل لحل الخلافات بين المكونات الجنوبية المختلفة.

كما جنب نفسه الانقسامات بإعلان استمرار التواصل مع السعودية والقبول بالحوار الجنوبي – الجنوبي – تحت مظلتها رغم تجميد عضوية رئيسه في مجلس القيادة الرئاسي واتهامه بالهرب وتقديم روايات عن ذلك تمس من منزلته الاعتبارية. فقط ظهرت في وسائل الإعلام السعودية شخصيات جنوبية تتحدث عن اختلافها مع الزبيدي بشأن الهجوم على حضرموت والمهرة والتلويح بالانفصال وفرضه بقوة السلاح.

ومثلما أشرنا في مقال سابق فإن الأقرب أن لا تفكر السعودية في تفكيك الانتقالي الجنوبي وأنها ستسعى لإحداث توازن جنوبي – جنوبي يمنع انفراده بالسلطة وبقدرات محافظات الجنوب وتحويل الانفصال إلى أمر واقع حتى لو كان مسنودا شعبيا. وربما يفضي مؤتمر الرياض الجنوبي إلى تكوين مؤسسات جنوبية ممثلة للمحافظات والشخصيات القبلية والسياسية بشكل يفتت دائرة القرار ديمقراطيا ويصعّب على المجلس الانتقالي محاولة إحياء مطالبه والعودة إلى أجندة الانفصال.

وفي المحصلة، فإن السعودية لا تريد مواجهة مع الانتقالي ولا عزله سياسيا وتهميش دوره داخل “الشرعية”، وهي تريده أن يكون جزءا فعالا في التسوية الشاملة، وما ظهر من غضب سعودي سببه أن سياسة فرض الأمر الواقع في المحافظات الجنوبية تعيق التسوية وتفتح الباب أمام الفوضى، والانتقالي لا يخفي رغبته في التراجع عما حصل واستعداده للعمل مع السعودية لتحقيق حلول سياسية. العرب