كتابات وآراء


السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 12:59 م

كُتب بواسطة : د. عادل الشجاع - ارشيف الكاتب



الحديث عن “شعب الشمال” و“شعب الجنوب” في اليمن حديث لا يستقيم وفق أي تعريف معتبر، لا سياسيا، ولا قانونيا، ولا ثقافيا، ولا أنثروبولوجيا، فاليمنيون، في وعيهم الجمعي وتاريخهم الاجتماعي، يرون أنفسهم شعبا واحدا، بهويات محلية ومناطقية طبيعية لا ترقى إلى مستوى شعوب منفصلة، ولا يرى سكان المحافظات الشمالية أنفسهم شعبا شماليا، كما لا يمكن اختزال الجنوبيين في كيان سياسي واحد أو سردية واحدة..

إذا ذهب مؤتمر الرياض إلى تبني حلول سياسية سيكون انزلاقا خطيرا، لأنه لن يعكس الواقع اليمني بقدر ما سيفرض تصورات خارجية، وسينزلق إلى ما يسوق اليوم لقضية انتفى وجودها السياسي بمشاركة الانتقالي في الحكومة ومجلس القيادة وانتفى وجودها الاقتصادي بغياب الدولة وأي حلول بعيدا عن استعادة الدولة لن تكون إلا إعادة لإنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدا..

على المملكة العربية السعودية أن تتعامل مع مسألة تفكيك اليمن بأقصى درجات الحذر، لا أن تستخف بها تحت ذريعة البحث عن الأمن والاستقرار، فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن تفكيك الدول لا ينتج استقرارا، بل يفتح أبوابا طويلة الأمد للفوضى، والصراعات البينية، والتدخلات الإقليمية والدولية، والنتيجة، في كل مرة، تكون عكس ما أُعلن عنه في البداية!.

إن مؤتمر الرياض، إذا جرى تحويله إلى منصة لتقسيم الجنوب إلى إقليمين أو أكثر، فلن يكون خطوة تكتيكية عابرة، بل مسمارا يدق في خاصرة المملكة نفسها، فجنوب مفكك، متنازع، محكوم بتوازنات هشة وولاءات متصارعة، لن يكون عمقا آمنا، بل خاصرة رخوة، قابلة للاختراق في أي لحظة، وهذا الكلام ليس تحذيرا أخلاقيا أو خطابا عاطفيا، بل قراءة باردة لما يخطط له في المنطقة التي يعاد تشكيلها تحت مسمى “الشرق الأوسط”..

في هذا السياق، تتحمل النخب السياسية في المحافظات الجنوبية مسؤولية تاريخية لا يمكن التهرب منها، فالمتاجرة بالقضية الجنوبية، واستخدامها أداة للابتزاز السياسي أو للحصول على مكاسب آنية، لا يخدم الجنوب ولا أهله، بل سيكرس اختطاف القضية واحتكارها من قبل قوى ضيقة، ما تزال هناك فرصة لإعادة تعريف القضية الجنوبية بوصفها قضية حقوق وعدالة وشراكة داخل دولة، لا بوصفها سلعة تفاوض أو مشروع تفكيك..

وفي المقابل، على المملكة أن تعيد النظر جذريا في نظرتها إلى اليمن: لا بوصفه خطرا دائما، بل بوصفه فرصة استراتيجية، فالأمن القومي لا يبنى عبر تفكيك الجوار، بل عبر استقراره، ولا يمكن تعريف الأمن القومي السعودي تعريفا ضيقا، منفصلا عن أمن دول الجزيرة العربية والأمن العربي الأوسع، خصوصا حين يكون اليمن هو نقطة الانطلاق الأساسية لهذا الأمن أو هذا الخلل؟.

الأولوية الحقيقية اليوم ليست في هندسة الأقاليم ولا في إعادة رسم الخرائط، بل في إعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية، ودعمها فعليا، وتقديم المساعدات الإنسانية والاقتصادية الضرورية التي تمكن المجتمع من التعافي، الدولة القوية، لا الكيانات المتنازعة، هي الضمانة الوحيدة للاستقرار طويل الأمد..

ما زال الوقت يمنح الجميع فرصة لتصحيح المسار: للنخب الجنوبية كي تتحرر من منطق الاحتكار، وللمملكة كي تتجاوز مقاربة الخوف إلى مقاربة الشراكة، أما تحويل مؤتمر الرياض إلى بوابة لتقسيم الجنوب، فلن يكون سوى خطوة أخرى في مشروع تفكيك المنطقة، مشروع لن تنجو منه أي دولة، مهما ظنت نفسها في مأمن وأولها المملكة..

إن من يبحث عن الاستقرار عبر التفكيك، إنما يزرع بذور اضطراب لن يتوقف عند حدود اليمن..