كتابات وآراء


السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 01:32 م

كُتب بواسطة : أحمد عبداللاه - ارشيف الكاتب



من يهلّل اليوم، سيعود غداً ليقرأ المشهد من جديد، ولكن على إيقاع أقل اندفاعاً وربما أشدّ قسوة، فالأزمنة بأحداثها لا تكشف حقائقها دفعة واحدة، بل تقشّرها طبقة بعد أخرى.

عند كل منعطف، تتكاثر الأصوات: خطباء، ووعّاظ، وناشطون وفقهاء في السياسية، يتصرّفون وكأن التاريخ قد كتب فصله الأخير واستقرّ في خزائنهم، أو أن الانفعالات الآنية قادرة على إنتاج حقيقة صلبة.

هذا الضجيج، في جوهره، ظاهرة مألوفة فكلّما دخلت المجتمعات طور التحوّل جراء أحداث كبيرة تتشابك الأفكار حول صلاحية المواقف تحت ضغط الواقع.

في عام 1994 قيل أكثر مما يقال اليوم وفاق عددُ الشامتين عددَ الصامتين، وكذلك من ادعوا النصح ولم يُسمع لهم، وإن غابت حينها منصّات التواصل وتسارُع الصدى. ثم ماذا؟

مضت سنين، وتبدّلت خلالها الأقوال والمواقف وتعاظمت الحسرات وكثر الحديث عن الأزمنة الجميلة.. لا لأن الحقيقة تغيّرت، بل لأن الأحلام حين تصطدم بجدار الواقع تعيد تشكيل وعي أصحابها، وتُسقِط عنهم أوهام اليقين السهل أو الهوى السياسي المغلف بشعارات ثقيلة.

ثم ماذا؟ تعلم الناس درساً عميقاً وهو قد يختلف كثيرون مع القيادة والإدارة لكن قضية البلد باقية.

مع ذلك لا أحد يحتكر الحقيقة، لكن المواقف الواعية الموضوعية وحدها تملك قدرة الثبات. وحين تستند إلى حقّ الشعوب في الاختيار فانها تؤكد مبدأ ثابتاً ومشروعاً يفهمه العالم. قد تؤجله موازين القوى، لكنها لا تلغيه، ولا يلغيه صخب اللحظة.

فما يُبنى بالقوة لا يدوم، و "94" لا يعاد إنتاجها إلا في أذهان من يعتقد أنه يسبح في مياه النهر مرتين، أو من يعجزون عن قراءة اختلاف الأزمنة. أمّا الآن في عام 2026، من يعيش نشوة الحدث بصورة مجردة ودون اعتبار للتاريخ فإنه لا يرى إلا أمانيه.

التعاطي الرشيد مع الواقع يتطلّب قلوباً باردة، وعقولاً متفتحة، وثباتاً… ذلك النوع الذي صرخ به الجندي وكأنه أطلق المعنى في الهواء الملتهب لمن سيأتي بعده.

ما تزال عدن تعيش مخاضها تحت إشراف "الشرعية" بعهدها الجديد، وفي المقابل صارت صنعاء بعيدة المنال أكثر من ذي قبل، فلا السلام سياتي بها مثلما يتصور البعض ولا الحرب تقرّبها، ذلك مسارٌ استُهلك تاريخياً، وأُغلقت صفحته بما فيه من أوهام "العاصفة" وحسابات الزمن.

أما المقاتل الجنوبي الذي خرج عام 2015 فإنه لا يُسحضر بعقيدة جديدة ولن يكون في مهمة مستوردة.

وبين هذا وذاك، يقف التاريخ شاهداً لا ينحاز، وتبقى القراءة الهادئة شرطاً أساسياً لفهم ما بعد اللحظة، لا الوقوع في أسرها.

أحمـــــــــــدع