منوعات

السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 01:02 م بتوقيت اليمن ،،،

عدن


في تاريخ عدن الرياضي أسماء لم تمرّ من الملاعب مروراً عابراً؛ أسماء صنعت حضورها بالموهبة والانضباط، وتركت خلفها ذاكرة لا تزال الجماهير تستعيد تفاصيلها كلما عاد الحديث عن الزمن الجميل للكرة العدنية.

ومن بين تلك الأسماء يبرز شرف محفوظ؛ المهاجم التلالي الذي خرج من ملاعب المعلا الصغيرة، وشق طريقه بثبات حتى أصبح قائداً وهدافاً، ثم توج مسيرته بالحذاء الذهبي كأفضل هداف عربي، ليضع اسمه في سجل أبرز نجوم الكرة العدنية واليمنية.

من حافون بدأت الحكاية

وُلد شرف محفوظ في 20 يوليو 1966م في حافون بمديرية المعلا – عدن، وكان الابن الأكبر في أسرة تضم خمسة ذكور وأربع إناث.

ومنذ طفولته التصقت الكرة بحياته. كانت ملاعب المعلا الشعبية مدرسته الأولى، ومنها بدأت ملامح الموهبة التي ستقوده لاحقاً إلى واحد من أكبر أندية عدن.

واللافت أن محفوظ لم يبدأ مهاجماً؛ فقد كانت بدايته حارساً للمرمى، قبل أن يكتشف أن مكانه الحقيقي أمام الشباك. هناك تغيّر مسار حياته الرياضية، وتحول من حارس يتصدى للأهداف إلى مهاجم يصنعها ويسجلها.

ولم تمر موهبته دون أن تلفت الأنظار؛ فقد كان النجم الكبير علي محسن المريسي من أوائل من شجعوه وتنبأوا له بمستقبل كبير، وهي شهادة مبكرة من أحد أبرز نجوم الكرة في تلك المرحلة.

التلال.. حين بدأت الموهبة تتحول إلى مجد

التحق شرف محفوظ بنادي التلال عام 1982م، وتدرج في فئاته العمرية، قبل أن تأتي نقطة التحول الحقيقية في موسم 1984/1985م، عندما صُعّد إلى الفريق الأول.

منذ تلك اللحظة بدأ اسم الفتى القادم من المعلا يفرض نفسه بين كبار لاعبي القلعة الحمراء، ولم يحتج إلى سنوات طويلة حتى يتحول من لاعب واعد إلى أحد أبرز مهاجمي الفريق.

وفي التلال وجد محفوظ البيئة التي سمحت لموهبته بالنمو، فارتبط اسمه بالنادي ارتباطاً وثيقاً، وأصبح أحد أبرز رموزه على مدى عقود.

هداف لا يحتاج إلى نصف فرصة

كان شرف محفوظ من نوعية المهاجمين الذين يصعب توقع طريقة تسجيلهم؛ يسجل بالقدمين، ويجيد الضربات الرأسية، ويملك حساً عالياً في قراءة موقعه داخل منطقة الجزاء.

ومع مرور السنوات تحولت أهدافه إلى أرقام وإنجازات، فكان:

- هداف كأس الجمهورية عام 1986م.
- هداف الدوري عام 1988م ولاعب الموسم.
- وصيف هدافي الدوري عام 1989م.
- ثالث هدافي الدوري عام 1990م.
- هداف الدوري عام 1992م برصيد 30 هدفاً.
- صاحب الحذاء الذهبي كهداف للعرب عام 1992م.
سجل محفوظ مع التلال 133 هدفاً في مسابقات الدوري والكأس، منها 121 هدفاً في الدوري و12 هدفاً في الكأس، وهو رقم يعكس طول حضوره وقوة تأثيره التهديفي.

لكن الرقم الأبرز بقي ذلك الذي وضعه على خارطة الكرة العربية: 30 هدفاً قادته إلى لقب هداف العرب والحذاء الذهبي لموسم 1991/1992م.

من قميص التلال إلى قميص المنتخب

لم يكن شرف محفوظ لاعباً لنادٍ فقط؛ فقد بدأ مشواره مع المنتخبات في وقت مبكر، واختير ضمن منتخب الناشئين عام 1984م، ثم تدرج في المنتخبات الوطنية على مدى سنوات طويلة.

وكان ضمن المجموعة التي مثلت الجنوب في المنتخب اليمني الموحد عام 1988م، وسجل هدفاً في مرمى إثيوبيا خلال تلك المرحلة.

وبعد قيام الوحدة في 22 مايو 1990م، كان ضمن تشكيلة أول منتخب يمني موحد، وسجل في مرمى ماليزيا هدفاً ظل يعتبره من أغلى أهداف مسيرته.

أما على مستوى المشاركات الرسمية، فتذكر السيرة المنشورة من اتحاد كأس الخليج العربي أن مبارياته الدولية الرسمية بلغت 33 مباراة، إلى جانب مشاركات أخرى مع المنتخبات في مراحل مختلفة.

أهداف لا تسقط من الذاكرة

لكل لاعب أهدافه، لكن بعض الأهداف تتحول إلى جزء من تاريخ النادي والمدينة.

ومن أشهر أهداف شرف محفوظ هدفه في مرمى الرفاع الغربي البحريني عام 1992م، والذي ساهم في عبور التلال إلى الدور التالي من بطولة الأندية الآسيوية.

أما الهدف الذي اعتبره بنفسه الأجمل في مسيرته، فسجله في مرمى المنتخب الهندي خلال التصفيات الآسيوية عام 1987م.

وفي المقابل، بقي هدفه في مرمى شقيقه حلمي محفوظ، حارس شمسان، من أكثر المواقف الطريفة والمحرجة في ذاكرته الرياضية؛ إذ أدى الهدف إلى استبدال شقيقه من حراسة المرمى.

احتراف قصير.. ووفاء طويل للتلال

في موسم 1997/1998م خاض شرف محفوظ تجربة احترافية مع نادي تضامن صور اللبناني، قبل أن يعود إلى عدن ويستأنف مشواره مع التلال.

وعلى الرغم من أن تجربة الاحتراف لم تطل، فإنها شكلت محطة مهمة في مسيرته، قبل أن يعود ليواصل الدفاع عن القميص الذي ارتبط باسمه طويلاً.

بطولات.. ثم قيادة من مقاعد التدريب

حقق محفوظ مع التلال عدداً من البطولات، من أبرزها الدوري عام 1987م، ودوري 1990م، ثم لقب الدوري موسم 2004/2005م، إلى جانب مراكز متقدمة في مسابقات الدوري والكأس.

وبعد سنوات طويلة من العطاء، أسدل الستار على مسيرته لاعباً بعد نحو 24 عاماً في الملاعب، لكنه لم يغادر كرة القدم.

اتجه إلى التدريب، وقاد التلال في موسم 2005/2006م إلى المركز الثالث، وواصل حضوره في الجهاز الفني، ليؤكد أن علاقته بالقلعة الحمراء لم تكن مرتبطة بارتداء القميص فقط.

من الملاعب إلى الطيران

لم تتوقف مسيرة شرف محفوظ عند كرة القدم؛ فقد تخرج من كلية الاقتصاد والإدارة بجامعة عدن في العلوم الإدارية، ثم واصل مسيرته المهنية في الخطوط الجوية اليمنية.

وفي عام 2022م انتقل إلى القاهرة للعمل في الشركة، حيث عُيّن مديراً لمبيعات اليمنية هناك، قبل تكليفه لاحقاً بمهام مدير محطة الخطوط الجوية اليمنية في مطار القاهرة الدولي.

وتؤكد مصادر رسمية أن شرف محفوظ كان يشغل منصب مدير محطة الشركة في مطار القاهرة خلال افتتاح مبنى اليمنية الجديد في القاهرة في يوليو 2025م.

وهكذا انتقل الرجل من قيادة الهجوم داخل المستطيل الأخضر إلى قيادة العمل الإداري في واحدة من أهم محطات الناقل الوطني خارج البلاد.

شرف محفوظ.. ذاكرة لا تغيب

قصة شرف محفوظ ليست قصة لاعب سجل أهدافاً كثيرة وحصل على الحذاء الذهبي وحسب؛ إنها قصة فتى بدأ من ملاعب حارات المعلا، حمل حلماً صغيراً، ثم كبر الحلم معه حتى أصبح اسمه معروفاً في ملاعب عدن والجنوب والوطن العربي.

كان تلالياً حتى النخاع، عدنياً في جذوره، مهاجماً في الملعب، قائداً في المواقف، وهدافاً ترك بصمته في زمن كانت فيه كرة القدم تُلعب بشغف قبل أن تُقاس بالأرقام.

ومن حافون والمعلا إلى ملعب التلال، ومن قميص المنتخب إلى الحذاء الذهبي، ثم إلى مقعد المدرب والعمل الإداري؛ تتعدد المحطات، ويبقى الخيط الذي يجمعها كلها واحداً.
شرف محفوظ.. اسمٌ خرج من ذاكرة عدن ليصبح جزءاً من ذاكرة كرة القدم العربية.

#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة