|||

السعودية أمام اختبار العمق الاستراتيجي

عرب وعالم


السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 01:07 م

دخل التصعيد بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر خطورة مع انتقال الهجمات إلى المطارات والمنشآت المرتبطة بحركة الطيران، في تطور يفتح جبهة أمنية تتجاوز ساحات القتال اليمنية إلى العمق السعودي.

ويأتي ذلك بالتزامن مع اشتداد المعارك حول تعز وباب المندب، وسعي القوات الحكومية اليمنية المدعومة من الرياض إلى استعادة مواقع استراتيجية فقدتها خلال الأشهر الماضية.

وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، الجمعة، مقتل ثلاثة مواطنين سعوديين، بينهم قائد طائرة في الخطوط الجوية السعودية، وإصابة أشخاص من جنسيات مختلفة في هجومين استهدفا مرافق مطار الملك خالد الدولي في الرياض وطائرة تابعة للناقل الوطني كانت متوقفة على الأرض من دون ركاب. وأكدت مجموعة السعودية أن الطائرة تعرضت لأضرار، فيما أشارت إلى استئناف العمليات التشغيلية في المطار مساء الخميس.

وجاءت هذه التطورات بعد هجمات سابقة على مطاري الرياض وأبها خلال الثلاثاء والأربعاء أوقعت ثلاثة قتلى من المقيمين الأجانب، بينهم مواطن سوداني في الرياض ومواطنتان مغربية وجزائرية في أبها، فضلاً عن إصابة عشرات الأشخاص. وبذلك تتوالى الخسائر البشرية مع اتساع نطاق استهداف منشآت الطيران السعودية.

وفيما أعلنت جماعة الحوثيين استهداف مطار الملك خالد بصاروخ باليستي، لم تحدد السلطات السعودية في بيانها بشأن هجمات الخميس الجهة المسؤولة عنها. ولم يقدم الحوثيون دليلاً مستقلاً يثبت إصابة الصاروخ هدفه، ما يستدعي التمييز بين تبني الجماعة للهجوم وبين ما أكدته السلطات السعودية بشأن الأضرار والخسائر.

ولا تكمن خطورة التصعيد في عدد الهجمات وحده، بل في اتساع نطاق الأهداف. فاستهداف المطارات يضع حركة الطيران المدني وسلامة المسافرين في قلب المواجهة، ويوسع دائرة المخاطر لتشمل قطاعات اقتصادية وخدمية حيوية، بدلاً من حصرها في المنشآت العسكرية ومناطق الاشتباك.

وقد انعكست الهجمات بالفعل على حركة الطيران. وأعلنت شركات دولية، بينها لوفتهانزا وطيران الهند، تعليق رحلات إلى الرياض، فيما أظهرت بيانات تتبع الرحلات إلغاء مئات الرحلات أو اضطراب جداولها. ورغم عودة العمليات التشغيلية في المطار إلى طبيعتها مساء الخميس، فإن استمرار المخاوف الأمنية يمكن أن يرفع تكاليف التأمين والنقل ويؤثر في حركة المسافرين والأعمال.

وتزامن ذلك مع تحذيرات حوثية من استهداف منشآت للطاقة، ما يرفع احتمالات انتقال التهديد إلى البنية التحتية الاقتصادية. لكن وقوع هجمات على المطارات لا يعني أن المنشآت النفطية أصبحت مستهدفة فعلياً في الموجة نفسها؛ إذ ينبغي فصل التهديدات المعلنة عن الهجمات التي ثبت وقوعها.

ويتصل التصعيد داخل السعودية مباشرة بالتطورات الميدانية في اليمن. فقد اشتدت المعارك حول مضيق باب المندب والساحل الغربي، حيث تحاول القوات الحكومية استعادة مواقع استراتيجية ومناطق قريبة من ميناء المخا، بدعم جوي من التحالف الذي تقوده السعودية.

ويكتسب هذا المحور أهمية إضافية لأن باب المندب يمثل ممراً رئيسياً للتجارة والطاقة عبر البحر الأحمر، فيما أدت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز إلى زيادة أهمية طرق التصدير التي تمر عبر البحر الأحمر. ولذلك فإن السيطرة على الساحل الغربي لا تتعلق فقط بموازين القوى داخل اليمن، بل تمتد إلى أمن الملاحة وحركة السلع وأسواق الطاقة.

غير أن نتائج الهجوم المضاد لا تزال غير محسومة. فقد أعلنت الحكومة اليمنية تحقيق تقدم في بعض المناطق، بينما نفى الحوثيون خسارة المواقع التي تحدثت عنها القوات الحكومية. كما أشارت تقارير ميدانية إلى استمرار القتال حول منطقة ذُباب المطلة على المضيق، وإلى تقدم حوثي باتجاه تعز.

ويعني تزامن الضغط على الجبهات اليمنية والهجمات على المطارات السعودية أن المواجهة باتت أكثر ترابطاً، بحيث يمكن للتطورات الميدانية أن تنعكس سريعاً على الأمن الداخلي وحركة الطيران والملاحة الإقليمية.

وأعلن التحالف السعودي أنه دمر ثلاث منصات لإطلاق الصواريخ قال إنها استُخدمت لتهديد الأمن الإقليمي، وذلك بعد أن أعلن في وقت سابق تنفيذ ضربات على أكثر من 80 موقعاً عسكرياً حوثياً رداً على موجة هجمات سابقة. وتعكس هذه التحركات اتجاهاً إلى الجمع بين حماية المنشآت السعودية والضغط العسكري على الحوثيين داخل اليمن. (رويترز)

لكن توسيع الضربات لا يضمن بالضرورة وقف الهجمات. فالحوثيون يمتلكون قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تتيح لهم تهديد أهداف بعيدة نسبياً، كما أن اتساع رقعة المواجهة يزيد المخاطر على المدنيين وحركة الملاحة. وفي المقابل، فإن استمرار الهجمات على الأراضي السعودية يرفع الضغط على الرياض لتأمين منشآتها وإظهار قدرتها على الردع، في وقت تحاول فيه القوات المتحالفة معها تغيير موازين القوى على الجبهات اليمنية.

وتتزايد أهمية الدعم الإقليمي في هذا السياق. فقد بدأت تركيا تقديم مساعدة دفاعية وتقنية للسعودية، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات والدعم اللوجستي، فيما لا تزال طبيعة الدور الباكستاني ضمن اتفاق مكة الدفاعي موضع متابعة. وأكدت أنقرة أنها لا تعتزم إرسال قوات إلى دولة أخرى لشن هجمات من أراضيها، في إشارة إلى رغبتها في الفصل بين دعم السعودية دفاعياً والانخراط المباشر في الحرب اليمنية.

تكشف الهجمات المتعاقبة أن السعودية تواجه اختباراً يتجاوز حماية المطارات أو اعتراض الصواريخ. فالمطلوب هو منع انتقال المواجهة إلى نمط استنزاف يربط بين الضغط العسكري على اليمن وتهديد البنية التحتية السعودية وتعطيل حركة الطيران والتجارة.

ولا تتمثل المسألة في قدرة السعودية على الرد على هجوم منفرد، بل في قدرتها على حماية العمق الاستراتيجي، وتأمين طرق الطاقة والملاحة، ودعم القوات الحكومية اليمنية من دون أن تتسع الحرب إلى مواجهة إقليمية يصعب احتواء تداعياتها.

فالانتقال من الاشتباك على الأرض اليمنية إلى استهداف المطارات والمنشآت السعودية يرفع مستوى المخاطر، لكنه لا يحسم نتيجة الحرب. وسيظل الاختبار الحقيقي في قدرة الرياض وحلفائها على الجمع بين حماية الداخل وتغيير موازين القوى في اليمن، من دون فتح جبهات أوسع أو إطالة أمد الصراع.






اهم الاخبار - صحيفة عدن حرة