منوعات

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - الساعة 11:42 ص بتوقيت اليمن ،،،

عدن


في تاريخ عدن التربوي أسماءٌ لم تكن مجرد معلمات، بل كنّ صاحبات مبادرات صنعت تحولاً اجتماعياً ترك أثره في أجيال متعاقبة. وفي مقدمة هذه الأسماء تبرز الأستاذة نور حيدر سعيد، إحدى الرائدات في تعليم الفتيات، وواحدة من أبرز الوجوه النسائية التي أسهمت في ترسيخ التعليم النظامي للبنات في عدن.

وُلدت نور حيدر عام 1911م، ونشأت في الشيخ عثمان في أسرة ارتبطت بالتعليم؛ فوالدها الفقيه حيدر سعيد كان يعلّم الأولاد في الكتاتيب «المعلامة». وفي زمن كان تعليم الفتيات محدوداً، التحقت نور وشقيقتها لولا بالتعليم إلى جانب الأولاد، ودرستا في مدرسة الشيخ عثمان للبنين خلال الفترة 1917–1922م، في تجربة مبكرة كسرت الحواجز التقليدية أمام تعليم المرأة.

لكن نور لم تكتفِ بأن تكون طالبة؛ فقد اختارت أن تتحول إلى صاحبة مشروع تعليمي. ففي عام 1925م فتحت في منزلها أول صف لتعليم البنات في شارع الصباغين بالشيخ عثمان، وبدأت بتعليمهن القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية، بمساعدة شقيقتها لولا. ومع اتساع التجربة، تطور هذا المشروع الأهلي إلى مدرسة للبنات، وأدخلت إليه المناهج الدراسية، ومنها اللغة العربية والرياضيات، وأصبح إعداد الفتيات للتعليم والعمل التربوي جزءاً من رسالتها.

وفي منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، أخذ مشروع تعليم الفتيات شكله المؤسسي؛ فأنشئت المدرسة الحكومية للبنات في الشيخ عثمان، وكانت نور حيدر أول مديرة لها، ثم واصلت قيادة المدرسة مع انتقالها إلى المرحلة المتوسطة، وظلت في موقعها التربوي حتى تقاعدها عام 1968م. وتؤكد وثائق وأبحاث عن تاريخ تعليم المرأة في عدن أن اسمها ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالبدايات المبكرة للتعليم النظامي للفتيات في المدينة.

ولم يتوقف عطاؤها عند جدران المدرسة؛ فقد أسست خلال مسيرتها التربوية أول فرقة كشفية للفتيات في عدن، كما ارتبط اسمها بأنشطة اجتماعية ومجتمعية، من بينها جهود الدعم والمساندة للأهالي في فترات الأزمات. وفي عام 1980م كُرّمت كمعلمة نموذجية تقديراً لمسيرتها الطويلة في ميدان التربية.

كما نالت نور حيدر تكريمات خلال الحقبة البريطانية؛ وتذكر المصادر أنها كُرّمت عام 1947م أثناء زيارة الملكة إليزابيث الثانية إلى عدن، كما مُنحت عام 1957م عضوية شرفية في مجلس العموم البريطاني. وتحتاج بعض تفاصيل طبيعة الوسام وتوصيفه الرسمي إلى الرجوع إلى الوثائق الأصلية، لذلك يُفضّل التعامل معها بحذر عند النشر التاريخي.

رحلت نور حيدر سعيد في 28 أغسطس 2001م، بعد عقود كرّست خلالها حياتها للتربية والتعليم، ولم يغب اسمها عن ذاكرة المدينة؛ ففي 11 نوفمبر 2019م أُطلق اسمها على مدرسة العبيدي للبنات سابقاً في الشيخ عثمان، تخليداً لدورها في تاريخ تعليم الفتاة في عدن.

وهكذا بقيت نور حيدر في الذاكرة العدنية معلمةً أسست، ومديرةً قادت، ورائدةً فتحت الطريق أمام أجيال من فتيات عدن؛ فقصتها ليست سيرة امرأة في التعليم فحسب، وإنما فصل مهم من تاريخ التحول الاجتماعي والتربوي في المدينة.

#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة