أخبار وتقارير

الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - الساعة 03:18 م بتوقيت اليمن ،،،

عدن


لا تبدو الشائعات المتداولة حول إقصاء عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح من مؤسسات الشرعية اليمنية مجرد رواية عابرة، حتى وإن لم تثبت صحتها، فهي تكشف حجم الحساسية المحيطة بموقع الرجل ودور قواته في المعادلة اليمنية. فبعد التطورات العسكرية التي شهدها الساحل الغربي وسيطرة الحوثيين على المخا، انتشرت روايات تتحدث عن إعفاء صالح من مهامه ووضعه تحت الإقامة الجبرية في الرياض، قبل أن تتولى منصات إعلامية نفي بعضها أو التشكيك فيها. ولم يظهر حتى الآن قرار رسمي يؤكد خروجه من مجلس القيادة.

وعلى العكس، فقد جاء أحدث مؤشر رسمي على تثبيت الرجل داخل المؤسسات القيادية؛ إذ نشرت وكالة الأنباء السعودية في 26 سبتمبر خبراً عن لقاء قائد القوات المشتركة الفريق الركن فهد السلمان مع طارق صالح في الرياض، ووصفته صراحة بأنه «عضو مجلس القيادة الرئاسي» و«قائد قوات المقاومة الوطنية». كما أشاد السلمان بدور طارق صالح في المجلس وقيادته لقواته، في إشارة إلى استمرار صفته الرسمية.

لكن بقاء صالح في موقعه لا يلغي السؤال الذي فتحته الشائعات: من يمكن أن يستفيد من تحييد الرجل، ولو سياسياً أو عسكرياً؟

في مقدمة المستفيدين المحتملين تأتي جماعة الحوثيين، من زاوية واضحة تتعلق بطبيعة القوة التي يقودها صالح وخبرتها الطويلة في القتال على الساحل الغربي. وقد أظهرت عملية رصد إعلامية أن رواية عزله وإخراجه من مجلس القيادة انتشرت على نطاق واسع عبر منصات مرتبطة بالحوثيين أو تدور في فلكها الإعلامي، مع ادعاءات بتحميله مسؤولية التطورات العسكرية الأخيرة. لكن انتشار الرواية في هذه المنصات لا يثبت أنها مصدرها الوحيد أو أن الجماعة تقف وراء جميع عمليات تداولها.

وتكتسب المسألة أهمية أكبر بعد الانتكاسة التي تعرضت لها القوات المناهضة للحوثيين في الساحل الغربي. فقد تحدثت تقارير عن إعادة ترتيب قوات طارق صالح وانتشارها، بينما ظهر الرجل في الرياض بعد التطورات الميدانية، قبل أن يلتقي قائد القوات المشتركة السعودية. ووفق الرواية الرسمية السعودية، ناقش اللقاء سبل توحيد الجهود ورفع جاهزية القوات اليمنية في مختلف الجبهات.

لكن الحوثيين ليسوا الطرف الوحيد الذي قد ينظر بحذر إلى تنامي دور صالح. فداخل المعسكر المناهض لهم توجد مشاريع سياسية وعسكرية متعددة، ولا تتطابق بالضرورة حساباتها بشأن شكل الدولة اليمنية المقبلة. وصعود قوة عسكرية يقودها طارق صالح، بما يملكه من حضور سياسي وعسكري، يمكن أن يعيد ترتيب موازين القوى داخل هذا المعسكر إذا تحولت التطورات العسكرية المقبلة إلى مكاسب ميدانية واضحة.

ومن هنا تبرز حسابات المجلس الانتقالي الجنوبي. فوجود قوة شمالية منظمة قادرة على تحقيق تقدم عسكري ضد الحوثيين يمكن أن يؤثر في شكل التسوية السياسية المقبلة، خصوصاً أن أي انتصار كبير في مواجهة الحوثيين سيعيد طرح سؤال من يمثل القوة العسكرية والسياسية داخل معسكر الشرعية. وبالنسبة إلى القوى التي تضع القضية الجنوبية في مقدمة أولوياتها، فإن صعود شخصيات وقوى شمالية إلى واجهة الانتصار العسكري قد يحد من قدرة المشروع الانفصالي على فرض نفسه باعتباره المسار السياسي الأكثر حضوراً في مرحلة ما بعد الحرب.

أما حزب الإصلاح الإخواني، فيمكن النظر إلى العلاقة معه من زاوية أخرى، هي المنافسة على النفوذ داخل الشرعية. فطارق صالح ليس مجرد عضو في مجلس القيادة، بل يقود تشكيلات عسكرية لها بنية تنظيمية وحضور ميداني، وهو ما يمنحه وزناً مختلفاً عن القوى السياسية التقليدية. وكلما اتسع هذا الدور، أصبح وجوده عاملاً إضافياً في توزيع النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

غير أن اختزال المسألة في صراع بين طارق صالح والإصلاح أو الانتقالي سيكون مبالغة لا تدعمها الأدلة المتاحة. فالمعسكر المناهض للحوثيين نفسه يضم مصالح متباينة، كما أن مستقبل المجلس الرئاسي يرتبط بتوازنات داخلية وإقليمية أكثر تعقيداً من قدرة طرف واحد على فرض مسار بعينه.

واللافت أن الشائعة ظهرت في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى صالح. فخسارة مواقع في الساحل الغربي لا تطرح فقط سؤال المسؤولية العسكرية، وإنما تفتح أيضاً نقاشاً حول مستقبل قوات المقاومة الوطنية وموقعها في هيكل القوات الحكومية. وفي 13 سبتمبر، ظهرت تقارير عن قرار بتشكيل «المقاومة التهامية» كقوة مستقلة، وسط جدل حول الصلاحيات والعلاقة بين هذه التشكيلات ومؤسسات الدولة العسكرية.

لذلك قد تكون أهمية شائعات الإقصاء في أنها تكشف الصراع على الدور أكثر مما تكشف قراراً وشيكاً بالإقصاء. فطارق صالح يقف عند تقاطع عدة ملفات: الحرب مع الحوثيين، مستقبل القوات المناهضة لهم، القضية الجنوبية، وتوزيع النفوذ داخل مجلس القيادة.

وفي هذه المعادلة، لا يحتاج خصوم الرجل بالضرورة إلى إبعاده رسمياً حتى يتراجع نفوذه؛ فقد يكون تقليص دوره العسكري، أو إعادة توزيع قواته، أو تحميله مسؤولية الانتكاسات الميدانية، كافياً لإعادة ضبط موقعه داخل الشرعية.

لكن المؤشرات الرسمية الأخيرة لا تؤكد حتى الآن حدوث مثل هذا التحول. فاللقاء السعودي الأخير أعاد التأكيد على دوره في مجلس القيادة وقيادته للمقاومة الوطنية، بينما دعا الطرفان إلى توحيد الصف وإعادة تأهيل القوات اليمنية.

وبذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت شائعة إقصاء طارق صالح محاولة لتوصيف تحول فعلي في موازين القوى، أم أنها جزء من حرب الروايات التي ترافق المعارك العسكرية والسياسية في اليمن؟ الإجابة ستتحدد ليس فقط بما سيحدث لموقع صالح داخل مجلس القيادة، وإنما أيضاً بمستقبل قواته ودورها في أي معركة مقبلة ضد الحوثيين، وبما إذا كان المعسكر المناهض لهم قادراً على إدارة تعدد مشاريعه من دون أن يتحول التنافس الداخلي إلى عامل إضافي لإضعافه.