أخبار وتقارير

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 12:22 م بتوقيت اليمن ،،،


يثير الجدل المتكرر حول استخدام مصطلح “الجنوب العربي” تساؤلات قانونية وسياسية تتجاوز مجرد الخلاف حول التسمية، لتصل أحيانًا إلى الادعاء بأن هذا الاسم يفتقر إلى أي أساس قانوني أو تاريخي، أو أنه يتعارض مع قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية. غير أن القراءة الموضوعية للتاريخ والوثائق القانونية الدولية تُظهر عكس ذلك تمامًا.

فالقانون الدولي لا يفرض على الشعوب أسماء محددة لدولها، ولا يشترط أن يكون الاسم مطابقًا لتسمية تاريخية سابقة، كما لا يمنع تغيير أسماء الدول أو إعادة تعريف هويتها السياسية وفقًا للإرادة السياسية والتطورات التاريخية.

وتُعد مذكرة التفاهم الخاصة باستقلال الجنوب، الموقعة في جنيف بتاريخ 29 نوفمبر 1967 بين حكومة المملكة المتحدة ووفد الجبهة القومية، واحدة من أهم الوثائق القانونية المرتبطة بإنهاء الاستعمار البريطاني في الجنوب.

وقد نصت المادة الأولى من مذكرة التفاهم بشكل واضح على الآتي:

«“يحصل الجنوب العربي على الاستقلال في 30 نوفمبر 1967 ويشار إلى هذا اليوم فيما يلي بيوم الاستقلال.”»

وهذا النص القانوني الصريح يُثبت أن مصطلح “الجنوب العربي” كان مستخدمًا رسميًا في وثيقة دولية مرتبطة بعملية الاستقلال وإنهاء الاستعمار، وليس مجرد توصيف إعلامي أو شعار سياسي مستحدث كما يحاول البعض تصويره.

كما نصت المادة الثانية من الاتفاق ذاته على:

«“تنشأ في يوم الاستقلال دولة مستقلة ذات سيادة تعرف بجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.”»

وهنا تتضح حقيقة قانونية بالغة الأهمية؛ إذ إن الوثيقة الدولية نفسها استخدمت مصطلحين مختلفين:

- “الجنوب العربي” كوصف للكيان الذي سينال الاستقلال.
- وجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية كاسم سياسي للدولة الجديدة بعد الاستقلال.

وهذا يؤكد أن تغيير الاسم السياسي للدولة لم يكن مخالفة للقانون الدولي، ولم يتطلب استفتاءً شعبيًا عامًا، ولم يعترض عليه المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة.

ثم لاحقًا تغير اسم الدولة مرة أخرى إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية دون استفتاء شعبي شامل أيضًا، ودون أن يعتبر القانون الدولي ذلك انتهاكًا لحق تقرير المصير أو خروجًا على الشرعية الدولية.

والأمر ذاته ينطبق على شمال اليمن، إذ إن اسم الدولة لم يكن ثابتًا تاريخيًا كما يروّج البعض اليوم. فقد تعاقبت عدة تسميات سياسية ودستورية على الدولة في الشمال، منها:

- المملكة المتوكلية الهاشمية
- ثم المملكة المتوكلية اليمنية
- ثم الجمهورية العربية اليمنية
- ثم بعد وحدة 1990 أصبحت الجمهورية اليمنية

ولم يعتبر المجتمع الدولي أيًا من هذه التحولات مخالفة قانونية أو مساسًا بشرعية الدولة، رغم تغير الاسم والهوية السياسية والدستورية عبر مراحل مختلفة.

ومن الناحية القانونية، فإن المجتمع الدولي لا يمنح الاعتراف للدول بناءً على “قدم الاسم” أو وجود دولة سابقة بالاسم نفسه، بل وفقًا لحق تقرير المصير وتوافر عناصر الدولة المعروفة في القانون الدولي.

وقد نشأت دول حديثة لم تكن موجودة تاريخيًا كدول مستقلة بالصيغة الحالية، ثم أصبحت أعضاء كاملين في المجتمع الدولي بعد ممارسة حق تقرير المصير، ومن ذلك:

- جنوب السودان
- تيمور الشرقية
- إريتريا
- ناميبيا

ولم يشترط القانون الدولي أن تكون لهذه الدول “سوابق تاريخية” بنفس الاسم السياسي المعاصر حتى تحصل على الاعتراف الدولي.

وعليه، فإن الادعاء بأن استخدام اسم “الجنوب العربي” يفتقر إلى الأساس القانوني أو أنه يتعارض مع الشرعية الدولية هو ادعاء غير دقيق قانونيًا وتاريخيًا. فالمصطلح له حضور رسمي في وثائق الاستقلال، وله جذور سياسية وقانونية مرتبطة بمرحلة إنهاء الاستعمار البريطاني.

وفي المقابل، فإن الحسم النهائي لأي تسمية مستقبلية للدولة الجنوبية يجب أن يبقى حقًا أصيلًا للشعب الجنوبي ضمن إطار حق تقرير المصير، باعتبار أن هذا الحق لا يقتصر على استعادة الدولة فحسب، بل يشمل أيضًا اختيار اسمها وهويتها ونظامها السياسي.

إن النقاش حول “الجنوب العربي” ينبغي أن يبقى ضمن إطار النقاش السياسي والفكري المشروع، لا أن يتحول إلى محاولة لاحتكار تفسير التاريخ أو القانون الدولي أو مصادرة حق الناس في التعبير عن تصوراتهم لهوية دولتهم المستقبلية.

القبطان : محمد سيف جبران