منوعات

الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - الساعة 02:01 م بتوقيت اليمن ،،،


في الرواية القصيرة "الرجل الذي باع القمر" (The Man Who Sold the Moon) للكاتب روبرت هاينلاين، والصادرة عام 1950، ينطلق أحد كبار رجال الأعمال في مهمة ليصبح أول إنسان يطأ سطح القمر، ثم يمضي قدماً في طرح حقوق ملكية سطح القمر للبيع في مزاد علني.

يقول لزملائه من رجال الأعمال "سيحتدم صراع هائل يوماً ما حول من يملك القمر. وأريد أن نضمن لأنفسنا كل عوامل التفوق لنخرج فائزين".

في تلك الحقبة، وبينما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يتسابقان للوصول إلى القمر، بدا أن المستقبل الذي تصوره هاينلاين قد يتحقق بالفعل. وللحيلولة دون ذلك، أبرمت القوى العظمى اتفاقية عُرفت باسم "معاهدة الفضاء الخارجي" لعام 1967.

وقد اتفقت أكثر من 100 دولة على أن القمر لا يملكه أحد.

أما في الوقت الراهن، فيبدو أن المسألة لم تعد محسومة تماماً.
تتسابق القوى العظمى في العالم حالياً لبناء قواعد قمرية تعمل بالطاقة النووية، كما يراود قادة الشركات الكبرى أحلامهم الخاصة بشأن القمر. إذ يتصور إيلون ماسك -وهو من المعجبين بأعمال هاينلاين- وجود "أسواق تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات"، تشمل مراكز بيانات قمرية ومنصة تشبه المنجنيق لإطلاق الأقمار الصناعية إلى أعماق الفضاء. وفي المقابل، يطمح جيف بيزوس إلى نقل الصناعات الثقيلة إلى القمر، تاركاً الأرض لتكون "كوكباً أشبه بالحديقة".

كما تتطلع الحكومة الأميركية إلى استغلال الهيليوم والمياه المتجمدة وموارد أخرى تقع بالقرب من القطب الجنوبي للقمر. أجرت الصين عمليات استكشاف خاصة بها، وتسعى -بالشراكة مع روسيا- إلى بناء قاعدتها بالقرب من القطب ذاته.

يرتكز هذا العصر على قناعة مفادها أن "الأسبقية تعني الأفضلية"، وأن من ينجح في إقامة قاعدة على سطح القمر بأسرع وقت ممكن سيكون بوسعه وضع القواعد؛ بينما سيتعين على الآخرين الاكتفاء باتباعها.

نصت "معاهدة الفضاء الخارجي" على عدم أحقية الدول في المطالبة بالسيادة على الفضاء الخارجي "عن طريق الاستخدام أو الاحتلال"، وأكدت أن استكشاف الفضاء يجب أن يعود بالنفع على جميع الدول (علماً بأن المعاهدة ركزت في المقام الأول على الحد من التسلح وحظرت نشر الأسلحة النووية في الفضاء).

ولكن، بعد مرور نحو 60 عاماً على التصديق على المعاهدة، لا تزال هناك أسئلة بحاجة إلى إجابات: ما هي الولاية القضائية التي يمكن لدولة ما المطالبة بها فيما يخص قاعدة قمرية؟ وهل يحق لشركة ما تحقيق أرباح من موارد القمر؟ وهل يمكن لدولة أو شركة تحديد نطاق جغرافي معين ومنع الآخرين من دخوله؟

لقد باءت معظم المحاولات السابقة للإجابة عن هذه الأسئلة بالفشل؛ ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي، نصت "معاهدة القمر" على اعتبار الموارد القمرية "تراثاً مشتركاً للبشرية"، وشددت على ضرورة خضوع استغلالها لإدارة دولية.

لم توافق على المعاهدة سوى 17 دولة، في حين امتنعت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين عن ذلك؛ إذ لم ترغب القوى الكبرى في مشاركة التكنولوجيا أو تقاسم أي ثروات مستقبلية قد تُكتشف على سطح القمر.

ويرى بليدين بوين، أستاذ سياسات الفضاء في جامعة دورهام بإنجلترا، أنه نظراً لعدم اليقين بشأن حجم الموارد الموجودة على القمر وغياب طرق فعالة من حيث التكلفة لاستخراجها، لم تكن الحوافز قوية بما يكفي للتوصل إلى اتفاق حاسم.

ويقول الدكتور بوين "إنها منطقة رمادية يرضى بها الجميع في الوقت الراهن".

وفي المقابل، تكتسب وجهة نظر معينة زخماً متزايداً في أوساط القانون الفضائي، ومفادها أن الدول تمتلك الحق في ملكية ما تستخرجه من موارد، حتى وإن لم يكن بوسعها امتلاك القمر ذاته. يستند بعض فقهاء القانون إلى قياسات مستمدة من "قانون البحار" -الذي ينظم عمليات استخراج الموارد من أعماق البحار، وهي منطقة تُعد أيضاً تراثاً مشتركاً للبشرية- للقول بأنه إذا كان بإمكان الدول التعدين في أعماق البحار، فيمكنها كذلك التعدين في الفضاء الخارجي؛ وذلك حسبما أوضح حسين بدر الدين، المحاضر في جامعة سيدني والمتخصص في قانون الفضاء.

لقد وضعت العديد من الدول قوانين خاصة بها لتنظيم الأنشطة الحكومية والخاصة في الفضاء. فعلى سبيل المثال، يسمح قانون أمريكي صدر عام 2015 للشركات بممارسة التعدين في الفضاء. كما تنص "اتفاقيات أرتميس" -وهي مجموعة من المبادئ غير الملزمة التي وضعتها الولايات المتحدة ووقعت عليها 76 دولة- على أن استخراج الموارد من القمر أو المريخ أو المذنبات أو الكويكبات لا يشكل انتهاكاً لـ "معاهدة الفضاء الخارجي".

وقد توصلت الصين وما لا يقل عن 12 دولة أخرى إلى اتفاق مماثل لإنشاء محطة دولية للأبحاث القمرية.

وعندما سرّعت وكالة ناسا خطتها لتركيب مفاعل نووي على سطح القمر، استندت في قرارها إلى مخاوف من أنه في حال قيام الصين وروسيا ببناء مفاعل أولاً، فقد تعلنان عن منطقة محظورة الدخول، مما يحد من نطاق تحركات رواد الفضاء الأميركيين ومركباتهم الجوالة.

إن فرض منطقة محظورة كهذه -حتى وإن كان لأغراض تتعلق بالسلامة- يتعارض مع المادة الأولى من "معاهدة الفضاء الخارجي"، التي تكفل حرية الوصول إلى الفضاء للجميع.

وأشار محامون وخبراء إلى أن بعض الدبلوماسيين يرون أن أي تفسير للمعاهدة يسمح للجهات التي تصل أولاً بوضع القواعد قد يؤدي إلى نشوء احتكارات أمر واقع على سطح القمر.

ومن المتوقع أن تضع مجموعة عمل تابعة للأمم المتحدة اللمسات الأخيرة على مبادئ تعالج بعض هذه المسائل بحلول العام المقبل.

غير أنه من الناحية العملية، لا تمتلك سوى قلة من الدول الموارد المالية الضخمة والتقنيات المتقدمة اللازمة لاستكشاف القمر وتطويره. كما تتيح المعاهدة هامشاً كافياً من المرونة يسمح لإحدى هذه الدول بإنشاء مفاعل نووي، أو يتيح لأحد رجال الأعمال الطموحين بدء عمليات تعدين.

وقال الدكتور بوين "إذا كانت الصين وأميركا هما الدولتان اللتان تقومان بكل الأنشطة على القمر، فيمكنهما ببساطة الاتفاق فيما بينهما على القواعد المنظمة لذلك".