عرب وعالم

الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - الساعة 02:00 م بتوقيت اليمن ،،،


يفتح قرار الولايات المتحدة سحب جميع قاذفاتها من طراز B-1 من قاعدة فيرفورد البريطانية سؤالاً يتجاوز الجانب العملياتي، بعدما أصبحت القاعدة خلال الأشهر الماضية إحدى نقاط الارتكاز للعمليات الأميركية ضد إيران. وبينما يقدم البنتاغون الخطوة باعتبارها إعادة انتشار عسكرية، يثير توقيتها، بعد توقيف أشخاص للاشتباه في التخطيط لاستهداف القاعدة، تساؤلات حول حدود التعاون الأميركي البريطاني عندما تتحول منشأة عسكرية بريطانية إلى جزء من المواجهة مع طهران.

وأعلن البنتاغون أن جميع القاذفات الأميركية التي كانت منتشرة في فيرفورد عادت إلى قواعدها الأصلية في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الاعتبارات الأمنية حالت دون الإعلان عن تحركاتها في وقتها. وكانت القاعدة تستضيف نحو 12 قاذفة B-1 استخدمت في العمليات الأميركية ضد أهداف إيرانية.

ولا يعني سحب القاذفات بالضرورة تقليص القدرة الأميركية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى. فواشنطن تؤكد أن طائراتها القاذفة، بما فيها B-1، قادرة على تنفيذ مهام من الأراضي الأميركية، فيما تظل الطائرات والكوادر في حالة استعداد لتنفيذ عمليات عند الحاجة. لكن إعادة القاذفات إلى الولايات المتحدة تعني عملياً التخلي مؤقتاً عن الميزة التي توفرها قاعدة قريبة نسبياً من مسرح العمليات.

وتأتي الخطوة بعد سلسلة من الأحداث الأمنية حول فيرفورد. فقد أوقفت السلطات البريطانية خمسة رجال قرب القاعدة في أواخر سبتمبر للاشتباه في التحضير لأعمال إرهابية وجرائم مرتبطة بالمتفجرات، قبل الإفراج عنهم بكفالة. كما أوقفت الشرطة لاحقاً مواطناً بريطانياً إيرانياً مزدوج الجنسية في لندن للاشتباه في الإعداد لأعمال إرهابية، ثم أفرجت عنه بكفالة أيضاً. ولا تزال التحقيقات مستمرة.

وتقول السلطات البريطانية إنها تبحث في جميع الاحتمالات، بما في ذلك احتمال تورط جهة أجنبية. وذهب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام إلى القول إن هناك مؤشرات قوية على ضلوع إيران في القضية، بينما نفت طهران الاتهامات ووصفتها بأنها بلا أساس. ولذلك تبقى طبيعة المخطط والجهة التي تقف وراءه قيد التحقيق، ولا يمكن التعامل مع الرواية الإيرانية أو البريطانية باعتبارها حقيقة محسومة قبل انتهاء التحقيقات.

وتكتسب المسألة حساسية إضافية من طبيعة الدور الذي لعبته فيرفورد في الحرب. فقد سمحت الحكومة البريطانية للولايات المتحدة في مارس باستخدام قواعد عسكرية بريطانية لأغراض دفاعية محددة، ولا سيما ضد منشآت الصواريخ الإيرانية، فيما أصبحت فيرفورد نقطة انطلاق للقاذفات الأميركية التي شاركت في العمليات ضد طهران. وكان وجود نحو 12 قاذفة B-1 في القاعدة يعكس القيمة العملياتية للموقع بالنسبة إلى واشنطن.

لكن بريطانيا لم تنخرط في الحرب على إيران بالدرجة نفسها التي انخرطت بها الولايات المتحدة. وهذا التفاوت يضع استخدام القواعد البريطانية أمام معادلة أكثر تعقيداً: واشنطن تحتاج إلى البنية العسكرية المتقدمة التي توفرها القواعد الأوروبية، بينما تتحمل بريطانيا مباشرة المخاطر الأمنية والسياسية الناجمة عن استخدام أراضيها في عمليات تستهدف إيران.

ومن هنا يبرز سؤال ما إذا كان سحب القاذفات مجرد قرار أميركي احترازي أم أنه يعكس تبايناً أوسع في حسابات واشنطن ولندن. ولا توجد، حتى الآن، مؤشرات معلنة على أن الحكومة البريطانية اعترضت على القرار أو أن الانسحاب جاء نتيجة خلاف رسمي بين البلدين. كما أن البنتاغون لم يقدم الخطوة باعتبارها تغييراً في العلاقة العسكرية مع بريطانيا، وإنما ربطها باعتبارات العمليات والأمن.

لكن حتى إذا كان القرار أمنياً بحتاً، فإن تداعياته تتجاوز القاذفات نفسها. فاستهداف أو التهديد باستهداف قاعدة تستخدمها الولايات المتحدة في بريطانيا يكشف أن الحرب لم تعد محصورة في المجال الجوي أو البحري للشرق الأوسط، بل باتت تضغط على البنية العسكرية التي تعتمد عليها واشنطن خارج المنطقة.

كما أن نقل القاذفات إلى الولايات المتحدة قد يدفع واشنطن إلى الاعتماد بصورة أكبر على قدرات بعيدة المدى، وعلى قواعد أخرى في المنطقة، أو على طلعات تنطلق من الأراضي الأميركية. وفي المقابل، ستواجه لندن سؤالاً حول حدود السماح باستخدام منشآتها العسكرية في حرب لا تشارك فيها بصورة مباشرة، خصوصاً إذا ارتفعت المخاطر الأمنية داخل الأراضي البريطانية.

لذلك لا تبدو عودة B-1 إلى الولايات المتحدة انسحاباً أميركياً من المواجهة مع إيران، بقدر ما تبدو في مرحلتها الأولى إعادة تموضع فرضتها اعتبارات أمنية. لكن قيمة الخطوة السياسية ستتحدد وفق ما إذا كانت مؤقتة، وما إذا كانت واشنطن ستعيد القاذفات إلى فيرفورد، وكيف ستتعامل لندن مع طلبات استخدام قواعدها مستقبلاً.

وبينما لا تثبت واقعة فيرفورد وجود خلاف أميركي بريطاني، فإنها تكشف نقطة حساسة في التحالف: كلما اتسعت الحرب مع إيران، يصبح السؤال ليس فقط أين تستطيع واشنطن ضرب طهران، بل أيضاً إلى أي مدى تريد لندن أن تتحمل كلفة توفير المنصة التي تنطلق منها تلك الضربات.