عرب وعالم

الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - الساعة 03:22 م بتوقيت اليمن ،،،


لا يبدو إعلان جماعة الإخوان المسلمين في سوريا استئناف نشاطها مجرد عودة تنظيمية بعد سنوات طويلة من العمل خارج البلاد، بل يفتح الباب أمام محاولة لإعادة تثبيت حضور سياسي في سوريا التي دخلت مرحلة مختلفة بعد سقوط النظام السابق. فاجتماع مجلس الشورى وإصدار بيان من 16 بنداً يضعان الجماعة أمام واقع جديد، كما يضعان الحكومة السورية والمحيط الإقليمي أمام سؤال حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه في المرحلة المقبلة.

وأعلن مجلس شورى الجماعة، في بيان صدر في 27 سبتمبر، تمسكه بوصفها «جماعة وطنية مستقلة القرار»، ودعا إلى التعددية السياسية وتنظيم العمل الحزبي ومشاركة جميع مكونات المجتمع في الحياة السياسية، كما طالب بإعداد دستور دائم وطرحه على استفتاء شعبي. وأشاد في الوقت نفسه بانطلاق أعمال مجلس الشعب وبالتحركات الدبلوماسية للحكومة السورية.

وتشير هذه الصياغات إلى أن الجماعة لا تريد أن تقدم عودتها بوصفها استعادة لنشاط دعوي أو تنظيمي فحسب، وإنما باعتبارها طرفاً سياسياً يريد أن يكون له موقع في النقاش حول شكل الدولة الجديدة. ويمنحها الانتقال السياسي مساحة لإعادة بناء خطابها وعلاقاتها وشبكاتها الاجتماعية، خصوصاً بعدما ظلت طوال عقود تعمل في ظروف المنفى والحظر.

لكن استثمار الوضع الناشئ لتدعيم الوجود لا يعني بالضرورة أن الجماعة قادرة على استعادة نفوذها السابق. فقد تغير المشهد السوري، وظهرت قوى سياسية واجتماعية وإسلامية جديدة، كما أن الدولة الجديدة تسعى إلى بناء مؤسسات مركزية وإعادة تنظيم المجال السياسي. وتظهر تصريحات الرئيس أحمد الشرع أن المسار الرسمي يركز على بناء المؤسسات وسيادة القانون والانتقال التدريجي نحو انتخابات حرة، مع التشديد على أن الدولة هي الإطار الناظم للعمل السياسي.

وهنا يبرز سؤال العلاقة بين الإخوان والحكومة. فلا توجد في البيان الأخير مؤشرات معلنة على مواجهة مع إدارة الشرع، بل إن الجماعة أشادت بتحركات الحكومة ودعت إلى دعم استقرار سوريا وإعادة إعمارها. لكن اتساع النشاط التنظيمي، وقدرة الجماعة على استقطاب الأنصار أو بناء حضور سياسي مستقل، يمكن أن يختبر مستقبلاً حدود التعددية التي تريدها الدولة وحدود التنظيم السياسي الذي تستطيع الحكومة استيعابه.

ويصبح السؤال أكثر حساسية إذا تحولت عودة الجماعة من إعادة ترتيب داخلي إلى منافسة على المجال العام أو المؤسسات المنتخبة. فنجاحها في بناء قاعدة سياسية واجتماعية سيعتمد على قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها جزءاً من سوريا الجديدة، وليس امتداداً لصراعات مرحلة المنفى والمعارضة. كما سيكون عليها التعامل مع إرث تاريخي طويل من الحظر والصدام مع السلطة، وهو إرث يجعل أي توسع لها موضع مراقبة سياسية، داخل سوريا وخارجها.

أما على المستوى الإقليمي، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً. فقد وجه بيان الجماعة الشكر إلى تركيا وقطر والسعودية والأردن على مواقفها تجاه سوريا، كما رحب باتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. لكن هذه المواقف لا تعني تلقائياً وجود توافق بين الجماعة وهذه الدول بشأن مستقبل دورها السياسي.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة مع توسع العلاقات الاقتصادية العربية مع دمشق. فمصر وسوريا اتفقتا أخيراً على آليات لتطوير التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة، وعلى عقد منتدى أعمال مشترك، في مؤشر إلى أن العلاقة بين القاهرة ودمشق تدخل أيضاً مساراً اقتصادياً ومؤسسياً جديداً.

وبالنسبة إلى دول الخليج ومصر، فإن عودة جماعة الإخوان إلى النشاط السوري تطرح بالتالي معادلة مختلفة: كيف يمكن دعم استقرار الدولة السورية والانخراط في إعادة إعمارها وشراكاتها الاقتصادية، مع التعامل مع قوة سياسية إسلامية تسعى إلى إعادة بناء حضورها؟ ولا يبدو أن الإجابة محسومة، خصوصاً أن مواقف الدول من الجماعة تختلف من دولة إلى أخرى، كما أن طبيعة المرحلة السورية الجديدة لم تستقر نهائياً بعد.

وفي المقابل، تحاول الجماعة في بيانها رسم صورة مختلفة عن نفسها، تقوم على الوطنية السورية، ونبذ الطائفية، والحوار، والتعددية، والمشاركة في مؤسسات الدولة. كما أعلنت رفض التدخلين الإسرائيلي والإيراني في سوريا، ودعت إلى الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.

وبذلك تدخل الجماعة اختباراً مزدوجاً: قدرتها على تحويل العودة التنظيمية إلى حضور سياسي واجتماعي منظم، وقدرتها على إقناع الدولة والمجتمع والمحيط الإقليمي بأن هذا الحضور يمكن أن يندرج ضمن التعددية السياسية من دون أن يتحول إلى مصدر تنافس على النفوذ.

وتبقى المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت عودة الإخوان ستتخذ شكل حضور سياسي محدود داخل النظام الجديد، أم تتحول تدريجياً إلى قوة أكثر تنظيماً وقدرة على الاستقطاب. وبين هذين الاحتمالين ستتحدد أيضاً طبيعة العلاقة مع حكومة الشرع، وحدود القبول الإقليمي، وموقع الجماعة في سوريا التي تعيد تشكيل مؤسساتها السياسية بعد عقود من الصراع.