عرب وعالم

الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - الساعة 06:33 م بتوقيت اليمن ،،،

العرب


أعادت الحرب مع إيران فتح النقاش في الخليج حول واحدة من أكثر المسلمات رسوخاً في أمن المنطقة: هل تكفي المظلة الأميركية لحماية دول الخليج في حال اندلاع حرب إقليمية واسعة؟ وبينما لا تبدو دول الخليج مستعدة للتخلي عن الشراكة الأمنية مع واشنطن، فإن تداعيات الحرب تدفعها إلى التفكير في صيغة مختلفة تقوم على امتلاك قدرات ذاتية أكبر، بحيث لا يبقى أمنها مرتبطاً بالكامل بقرار القوة الأميركية واستعدادها للتدخل.

وجاء التصريح القطري ليعكس هذا التحول في التفكير بوضوح ليكون اقرب إلى تمرد قطري وخليجي أشمل على المظلة الأميركية. فقد قال ماجد الأنصاري، المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، إن الحرب مع إيران أظهرت أن وجود قوات دولية في المنطقة والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة «بالغ الأهمية، لكنه غير كاف»، مشدداً على أن «الاكتفاء الذاتي فيما يتعلق بمجال الأمن هو السبيل الوحيد للمضي قدماً».

ولا تحمل هذه الرسالة، بالضرورة، مراجعة للعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن بقدر ما تكشف عن إعادة تعريف لما ينبغي أن تعنيه هذه العلاقة. فالدول الخليجية التي اعتمدت لعقود على الوجود العسكري الأميركي والقواعد والقدرات الدفاعية الأميركية باتت أمام سؤال مختلف بعد الحرب: ماذا تستطيع أن تفعل بنفسها عندما تتعرض لهجوم واسع، أو عندما لا تتطابق حساباتها الأمنية مع حسابات حليفها الأميركي؟

تكمن أهمية التحول في أن دول الخليج لا تناقش للمرة الأولى ضرورة تطوير قدراتها العسكرية، لكنها باتت تنظر إلى الأمر باعتباره جزءاً من منظومة الأمن القومي، وليس مجرد تعزيز للتسلح.

الحرب مع إيران أظهرت أن امتلاك قواعد أميركية وأنظمة دفاع متطورة لا يعني بالضرورة القدرة على منع كل الهجمات أو تحييد آثارها. كما أن طبيعة الحروب الحديثة، مع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات متعددة الاتجاهات، تجعل الدفاع الخليجي بحاجة إلى شبكة أكثر تكاملاً تشمل الإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي، والحرب الإلكترونية، وحماية البنية التحتية والمنشآت الحيوية.

وهنا يصبح «الأمن الذاتي» مفهوماً أوسع من بناء جيوش وطنية قوية. إنه يعني امتلاك قدرة على اكتشاف التهديد والتعامل معه واحتواء آثاره إلى أن تصل المساعدة الخارجية، بدلاً من افتراض أن المساعدة الخارجية ستكون دائماً متاحة بالسرعة والحجم المطلوبين.

المفارقة أن الحديث عن أمن خليجي ذاتي لا يعني بالضرورة تراجع أهمية الولايات المتحدة. على العكس، تبدو واشنطن أكثر حضوراً من أي قوة أخرى في المعادلة الأمنية الخليجية، سواء من خلال انتشارها العسكري أو قدراتها الاستخبارية والدفاعية أو علاقاتها العسكرية الطويلة مع دول المنطقة.

لكن الحرب أعادت طرح مسألة مختلفة: هل تريد دول الخليج أن تكون الولايات المتحدة هي مركز منظومة أمنها، أم أحد أعمدتها الرئيسية؟

الفارق بين النموذجين كبير. ففي الحالة الأولى، يصبح القرار الأميركي جزءاً من شروط الأمن الخليجي، وقد تتأثر قدرة دول المنطقة على الرد أو الصمود بتقديرات واشنطن السياسية والعسكرية. أما في الحالة الثانية، فتظل الولايات المتحدة شريكاً رئيسياً، لكن إلى جانب قدرات خليجية أكبر وشراكات متعددة وآليات تنسيق إقليمية.

وهذا تحديداً ما يجعل التصريح القطري مهماً؛ فهو لا يدعو إلى استبدال أميركا، بل إلى عدم اعتبار وجودها كافياً.

لكن الانتقال من الاعتماد على الحماية الخارجية إلى بناء أمن خليجي ذاتي يصطدم بتحدٍ آخر يتمثل في مستوى التنسيق بين دول الخليج نفسها.

فامتلاك كل دولة منظومات دفاعية متطورة لا يؤدي تلقائياً إلى بناء منظومة دفاع إقليمية. المطلوب هو ربط الرادارات وأنظمة الإنذار المبكر وتبادل المعلومات وتنسيق الاعتراضات الجوية، وصولاً إلى تطوير مفهوم مشترك للتهديدات وآليات موحدة للتعامل معها.

وقد دفعت طبيعة الهجمات الصاروخية والمسيّرة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة باتجاه هذه الحاجة، لأن التهديدات لا تتوقف عند الحدود الوطنية. صاروخ أو مسيّرة تستهدف منشأة في دولة خليجية يمكن أن تكون جزءاً من هجوم أوسع يستهدف البنية الاقتصادية والأمنية للمنطقة بأكملها.

ومن هنا قد تصبح الحرب مع إيران عاملاً إضافياً في تعزيز التعاون الدفاعي الخليجي، ليس باعتباره بديلاً عن التحالف الأميركي، وإنما كطبقة ثانية من الحماية.

وقد لا يتوقف التحول عند تعزيز القدرات الذاتية. فكلما زاد الشعور بأن الاعتماد على قوة واحدة ينطوي على مخاطر، زادت جاذبية تنويع الشراكات الأمنية والعسكرية.

وهذا يمكن أن يفتح المجال أمام علاقات دفاعية أوسع مع قوى آسيوية وأوروبية، وتوسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا العسكرية والأمن السيبراني والطائرات المسيّرة والدفاع الجوي، إلى جانب الشراكات القائمة مع الولايات المتحدة.

لكن هذا التنويع لا يعني بالضرورة تحولاً استراتيجياً بعيداً عن واشنطن. فدول الخليج تدرك أن بناء منظومة أمن مستقلة بالكامل يحتاج سنوات واستثمارات ضخمة، وأن الولايات المتحدة تظل صاحبة القدرات الأكثر تطوراً في مجالات عديدة.

الأقرب هو نموذج يقوم على تقليل الاعتماد وليس إنهاء الاعتماد؛ أي أن تصبح الشراكة الأميركية جزءاً من منظومة متعددة المستويات، بدلاً من أن تكون المنظومة نفسها.

لذلك فإن الرسالة التي حملها التصريح القطري تتجاوز الدوحة إلى نقاش خليجي أوسع حول معنى المظلة الأمنية الأميركية.

فالمشكلة لم تعد في وجود القوات الأميركية من عدمه، وإنما في السؤال عما يحدث عندما تتعرض المنطقة لهجوم يفوق قدرة دولة واحدة على مواجهته، أو عندما تختلف الأولويات الأميركية مع المخاوف الخليجية، أو عندما تتطلب طبيعة الحرب سرعة في اتخاذ القرار لا يمكن ضمانها من خلال طرف خارجي وحده.

وقد يكون الدرس الأبرز من الحرب أن أمن الخليج لا يمكن أن يقوم على انتظار لحظة التدخل الخارجي، مهما كانت قوة الحليف. فالحماية الأكثر استدامة تبدأ من قدرة دول المنطقة على حماية مجالها الجوي والبحري، وتأمين منشآتها الحيوية، ورفع قدرتها على امتصاص الضربات والاستمرار في العمل.

في هذا المعنى، قد تكون الحرب مع إيران قد دفعت الخليج إلى الانتقال من سؤال «هل ستدافع أميركا عنا؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «ماذا نستطيع أن نفعل نحن قبل أن تصل أميركا؟»

وهذا لا يعني نهاية المظلة الأميركية، لكنه قد يعني بداية مرحلة جديدة في الخليج تصبح فيها واشنطن شريكاً أمنياً لا غنى عنه، من دون أن تكون الشريك الوحيد الذي يتوقف عليه أمن المنطقة.