الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - الساعة 11:51 ص
نسأل أبو زرعة المحرمي هل بالضرورة استعادة الحقوق لا تتم إلا بمعاداة الوطن والهوية؟ وهل المطلوب منا أن نحاسب السلطة التي مارست الظلم أم نعاقب الجغرافيا؟ ولماذا لا نحاول أن نبني دولة عادلة بدلا من أن نبني حدودا جديدة من الكراهية بيننا؟.
فحين يصبح الجنوب ساحة تعبئة مستمرة ضد الشمال، والشمال ساحة خوف مستمر من الجنوب، لن يكون المنتصر هو الجنوبي ولا الشمالي.
سيكون المنتصر هو كل من يريد يمنيين متخاصمين، ضعفاء، منشغلين بحدود الكراهية عن حدود السيادة..
هل عميت أبصاركم لترون كيف يستنزف اليمني في معركة الهوية، بينما تتقدم المصالح الخارجية بلا ضجيج. فنحن نتشاجر حول اسم الوطن، بينما غيرنا يفكر في موقعه..
ونختلف على شكل الخريطة، بينما غيرنا ينظر إلى ما تحت الخريطة وفوقها وما حولها. ونصنع من أخوتنا أعداء، ثم نتساءل لماذا أصبح الخارج أقوى منا..
نقد السلطة لا يعني أن نكره الوطن، ومحاسبة من ظلم الجنوب لا تعني إدانة الشمال. فالذي مارس الإقصاء والنهب وأدار الحروب سلطات ومراكز نفوذ وأشخاص، لا جغرافيا كاملة ولا شعبا بأكمله. وحين ننقل الصراع من السياسة إلى الهوية، نكون قد تركنا أصل المشكلة وبدأنا بصناعة عدو جديد..
بالأمس كان عيدروس الزبيدي يرفع مشروع "استعادة الدولة" الجنوبية، وخاطب الناس بلغة الحسم والانفصال، ثم انتهى به الأمر إلى موقع قيادي داخل مؤسسات الجمهورية اليمنية نفسها. وأنا هنا لا أبحث عن إدانته، بل عن المفارقة: إذا كانت الجمهورية هي المشكلة، فكيف يصبح رأس المشروع الانفصالي جزءا من بنيتها السياسية؟ وإذا كانت الشراكة داخلها ممكنة إلى هذا الحد، فلماذا ظل خطاب القطيعة ضد الجمهورية هو الوقود؟.
ثم جاء أبو زرعة المحرمي في الموقع نفسه تقريبا: داخل السلطة، صاحب نفوذ وموقع وأدوات تأثير، ومع ذلك يستمر في خطاب يكرس الانقسام السياسي والجغرافي ويبقي المواطن مشدودا إلى معركة الهوية والكراهية..
وحين تتكرر هذه المفارقة، يصبح من حق المواطن أن يسأل: هل نحن أمام مشروع وطني يبحث عن حقوق الناس، أم أمام أدوار سياسية تتقاطع مع مصالح وقوى أخرى لا تنظر إلى اليمن من زاوية مصلحة المواطن،بل من زاوية مصالحها؟.
النتيجة على الأرض واحدة: قيادات داخل السلطة، وخطاب يدفع الناس إلى فقدان الثقة بالدولة، نفوذ يتسع في مؤسساتها، وخطاب يوسع الفجوة بين مكوناتها، مشاركة في الحكم، مع استمرار التعبئة ضد فكرة الشراكة نفسها..
لماذا لا يستخدم المحرمي السلطة لإصلاح ما يراه ظلما. ولماذا إذا كان يرى بأن الدولة عاجزة عن الإصلاح، لا يواجه الناس بالحقيقة كاملة: من يمنع، ومن يملك القرار، ولمصلحة من يستمر الانقسام!.
أما أن يجمع بين مكاسب الموقع وخطاب القطيعة، وبين نفوذ السلطة وشعارات هدمها، ثم يطلب من المواطن أن يدفع ثمن هذا التناقض، فذلك ليس مشروع إنقاذ للوطن. ذلك مشروع يجعل المواطن وقودا، والمظلومية أداة، والانقسام سلعة سياسية..
لن نستعيد حقوقا بصناعة الكراهية، ولن نبني دولة بتقويض الدولة، ولن نحمي الجنوب بتحويل اليمنيين إلى أعداء. لأن أخطر خدمة يمكن أن تقدم لأي قوة خارجية ليست أن تسلمها أرضا، بل أن تجعل أهل الأرض يتنازعون عليها حتى يفقدوا القدرة على الدفاع عنها..